محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٤ - الخطبة الثانية
ذوبان، وعظماء الجمال المادي إلى ذوبان، أما الذين لا تنتهي عظمتهم ولا تذوب ولا تتلاشى فهم أصحاب العظمة المعنوية، أصحاب جمال الروح، ولا جمال لروح تنفصل عن الله سبحانه وتعالى.
بِمَ عظمت فاطمة عليها السلام فكانت قدوة في سماء الإنسانية؟
قدّروا أنها سكنت أفخم القصور، قدّروا أنهم لبست الحرير والديباج، قدّروا أنها طعمت ما لم يطعمه كل الآخرين لذّة غذاء، وشربت ما لم يشربه كل الناس لذّة شراب، فهل يمكن لها من خلال كل ذلك أن تخلد، أن تكون العظيمة في ضمير الإنسان، أن تحتلّ المحلّ الرفيع في قلب الإنسانية فيتعشّقها جمالًا خالداً، وروعةَ قيم إنسان يعيش إنسانيته الرفيعة بحق؟! كل الذين عاشوا هذه الحياة الدنيوية ... عاشوا أجواءها الماديّة وذابوا فيها، ونالوا من لذتها وسكرتها لفّهم الزمن إلى نسيان. الذين واللاتي يبحثون عن العظمة في فخامة المنزل، فخامة السيارة، في المواقع الرسمية، في المواقع الشعبية، في العناوين الاعتبارية، في حالات البذخ، في حفلات الترف، في مظاهر التفاخر الدنيوي، في مواقع الوظائف، سيبقون يبحثون كلَّ حياتهم عن العظمة، ولكنهم لن يجدوها.
أؤكد لكم أيها الأخوة والأخوات المؤمنون والمؤمنات أنّ هناك حيواناً أجمل من إنسان، وأبذخ حياة، وأفخم مركباً، وأرقى منزلا، سواء كان هذا الحيوان يمشي على أربع أو كان ذلك الحيوان يمشي على رجلين. أليس من كلاب حقيقيين- وليس على نحو المجاز- يعيشون القصور الفخمة؟ ويصلون إلى أجواء الفضاء وإلى القمر؟ ويأكلون ألذّ طعام، ويشربون ألذ شراب، ولكن هل تعطيهم قيمة فقير مغلوب لفقره في كوخه المظلم بروح مضيئة؟ وبإيمان كبير؟ وبعقلية فذّة؟ وبنية صالحة؟ قارن أنت أنت ولأقارن أنا أنا بين معنويات يوم لذّة الجسد وإثم الروح، يوم يمرّ علينا نعيش فيه لذّة جسد، وإثم روح لأننا ظلمنا، لأننا عصينا، ويوم آخر نعيش فيه نشاط روح، وحيوية روح، ويقظة روح،