محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٩ - الخطبة الأولى
الذلّ الثاني الذي فيه مهانة الدين، أن نجد رجلًا يحمل سمة الدين وعنوانه، ويمثّل في قلوب النّاس رصيداً ضخماً للدين، ويملك موقع تقدير واحترام في أوساط الأمة المتديّنة، وإذا به يقبّل الآناف والجباه ويتضعضع، ويستكين، ويهن أمام سلطان من السلاطين من أجل حطام دنيا أو ما إلى ذلك. هذا ذلٌّ يُسجّل وهناً على دين الله في نفوس المؤمنين، وقد يسقط قيمة الدين عند قسم منهم. ما أبشع هذه الصورة من الذلّ، وأشدَّ خطرها!!
وربما يتجاوز الأمر ذلك، وهو أن يُطلب منه التبرّي، وربما جاز التبري على مستوى الكلمة حين الاضطرار الخانق، لكن هذا العرض حينما يكون على أكبر فقيه في الأمّة، وعلى شاشة التلفاز، لو جرت الكلمة السطحية على لسانه انهزم الدين في نفوس الناس بانهزامه وهان، وذلّت الأمة، فعليه أن يتحمّل القتل من دون أن تجري الكلمة ولو كاذبة على لسانه.
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً ٣ جاءت في حقّ عمَّار رضي الله عنه كما هو المروي حيث قال كلمة الكفر تحت ضغط التهديد بالقتل، ولم يخطئه القرآن الكريم لاضطراره، وعدم جدية كلمته، واطمئنان قلبه بالإيمان. لكن لم يكن عمّار في الموقع الذي كنّا نتحدث عنه قبل قليل، والذي تتسبَّب مثل هذه الكلمة بلحاظه في هدم قيمة الدين وتوهينه في نفوس المؤمنين.
وهناك الذلّ الذي ضاق به صدر حجر بن عدي وأصحاب له في موقف الإمام الحسن عليه السلام من الصلح، وكم تحمّل الإمام الحسن عليه السلام من لوم وتجريح، وتناولته ألسن المخلصين فضلًا عن الألسن المغرضة، والإمام الحسن عليه السلام فوق كل الذين ناصروه