محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٠ - الخطبة الأولى
الخوف والرجاء له، ذلك لأنها مشغولة بقدرها بعظمة الله، منشدّة إلى جمال الله، وجلال الله، وذلك الذكر الخفي هو الذكر الأكبر الأعظم.
تقول الأحاديث بهذا الصدد" لايكتب الملك إلّا ما يسمع، قال الله عزّ وجل: اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً قال: لا يعلم ثواب ذلك الذّكر في نفس العبد غير الله تعالى" ٤.
الملّك واسع الاطلاع، ولكن لاطلاعه حدود، والمطّلع على السرائر، وما تكنّه الصدور، وعلى غير ما تنفعل به هذه اللحظة، وما مضى من سرّها، وما يأتي إنما هو الله تبارك وتعالى.
فبحسب علم الملك المحدود قد يعلم شيئاً وقد لا يعلم شيئا آخر، وما لم يعلمه إلا الله تبارك وتعالى من العبد لا يعلم ثوابه إلا هو سبحانه وتعالى، والتعبير بأنه لا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس العبد غير الله تعالى إشارة إلى عظمة ذلك الثواب، وأن تقدير الممكنات لهذا الثواب لاتأتي عليه وكما هو عند الله تبارك وتعالى.
" يا أبا ذر اذكر الله ذكراً خاملًا، قالت: ما الخامل؟ قال: الخفيّ" ٥.
هو ذكرٌ خامل لأنه لايظهر للناس ولا يظهرك في الناس مؤمناً، من درجة الذاكرين، فربما بقي ذكرك في المؤمنين خاملًا، ولكنّك مذكور عند الله ذكرا عليّا، ذلك لأنه وإن كان لسانك في صمت إلا أن قلبك مشتغل بذكر الله تبارك وتعالى، وذكر القلب لبارئه ليس بمستوى الخاطرات، وإنما بمستوى الانفعال، وبمستوى الاندكاك، وبمستوى استيلاء الهيبة، وحس العبودية الذي يملأ على القلب كل أقطاره. إنّه ذكر عظمة الله تبارك وتعالى من العبد ذكراً يجعله في موقف الخضوع والخشوع والتزلزل أمام العظمة اللامتناهية لينتهي إلى الاطمئنان والسكينة والوثوق برحمة الله ولطفه الغامرين.