محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧ - الخطبة الأولى
كان هذا من ذاك ٣، ولكن ذكر الله في كلّ موطن، إذا همجت ٤ على طاعته أو معصيته" ٥.
أن يبقى القلب يقظاً دائماً، مشعّاً دائماً، متعلّقاً بأجمل جمال، وأجلّ جلال، وأكمل كمال على الإطلاق، تلك مهمّة كبرى، وتلك درجة عظمى لا ترقى لها في النّاس إلا قلوب قليلة. قلوبنا يكثر اعتوار الغفلة لها، وما أكثر أن ننسى ذكر الله سبحانه وتعالى، وما أكثر ما يحتلّ الخلق مكان التعظيم والتوقير والخوف والرجاء في قلوبنا منصرفين عن الله وهو المكان الذي لا يصح أن يحتلّه في قلب إنسان بصورة أوليّةٍ أصل إلا الله، وإذا كان تعظيم أو خوف أو رجاء في أحد فإنما هو تبع وراجع للتعظيم أو الخوف أو الرجاء في الله.
أما تلك القلوب المؤمنة الخالصة النادرة فهي قلوب دائمة الذكر لله، دائمة الانشداد إليه، لا يشغلها مع ذكر الله شاغل في محنة كانت أو في لذة، وفي أي ظرف من الظروف.
يقول الحديث:" ولكن ذكر الله في كلّ موطن، إذا همجت على طاعته" وماذا يعني ذكر الله عند هجوم النفس على الطاعة؟ أبعد أن هجمت النفس على الطاعة، وانساقت مسرعة إليها، معانقة لها تأتي حاجة إلى ذكر الله؟ بلى، لا ثبات للنفس لحظة على حقّ، وعلى خير إلا بذكر الله، ولا صدق للطاعة ولا إخلاص فيها إلا بذكر الله سبحانه وتعالى. الطاعة تكون بلا لب، تكون بلا روح، تكون بلا معنى كبير حينما يغفل القلب عن ذكر الله سبحانه وتعالى، وتبقى الحركة حركة جوارح، وتبقى الطاعة طاعة جوارح، وأكبر ما في الطاعة هي طاعة القلب التي تأخذ بالجوارح على الخط، ولا صدق لطاعة قلب إذا تأخرت الجوارح عن تلك الطاعة.