محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٨ - الخطبة الأولى
الدّين المتنزّل من ربّه على أنبيائه ورسله لتربية هذا الإنسان، وإحياء روحه، والبلوغ به إلى أقصى درجات نضجه وكماله وسعادته.
فنحن في صراع بين أن تغلبنا الدنيا أو أن تغلبها، فإن غلبتنا فهي الخسارة الفادحة، وإن غلبناها ووظفناها لصالح إنسانيتنا فهو الفوز العظيم.
وقد حرص الدين على إبقاء يقظة الإنسان على أشدّها حيوية وتنبّهاً أمام سحر الدنيا، حتى لا تصرفه عن إنسانيته وهدفه ودوره وقيمته وعاقبته، وتدخله في غيبوبة عن نفسه بالاغترار بها.
للدنيا سطوة، للدنيا سلطان، للدنيا سحر، للدنيا قوة هائلة على النفس، فنحتاج إلى مقاومة ومواجهة وطلب أسباب الانتصار.
والنّاس من الدنيا على أصنافٍ؛ منهم المخدوع بها والذي كبرت في نفسه أضعافاً ١، ورآها متوهّماً أنها دائمة له، ورأى من هولها أنه دائم، ورأى من خيرها أنه الخير كلّه، ومن شرّها أنّه الشرّ كله. يعيش هذا الوهمَ حالة نفسية ثابتة أو تكاد تكون كذلك وإن كان معدوداً من أهل الإسلام والإيمان ويقول كلمتهما.
وهذا الانخداع للدنيا والاغترار بها انهزام كبير من النفس، ومن انهزم في معركته مع الدنيا والنفس انهزم في كل معاركه في ساحات الحياة، وهو سقوط ذريع في الغفلة، يغيب معه الأثر الكبير، والدور المنقذ للعقل والضمير، وحقائق الموت والحياة والآيات والدروس المربّية. وينتهي دور الدين في توجيه الإنسان.