محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٩ - الخطبة الأولى
عندما ينبهر إنسان بالدنيا، ويذوب أمام سحرها، وتغرر به كما يغرّر بالطفل الصغير ٢، وتفقده التوازن، ويهون عليه أمر نفسه، وأمر كلّ شيء في سبيلها، ولا ينتفع بعقل ولا دين ولا آية ولا برهان، ويستخفّ بكل حق، ويهزأ بكل هدى، وتستكبر نفسه على كلّ دليل.
يقول سبحانه في كتابه المجيد: ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَ غَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ٣ غرور الدنيا يؤول بالإنسان إلى أن يتخذ آيات الله الساطعات البينات هزوا، ويقف أمام حدث الموت موقف المستهزئ، لا يقدِّر حدث موت، ولا حدث مرض، ولا تحوّل حالات الدنيا من غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، ومن ملك إلى أضعف المواقع، ومن أضعف المواقع إلى الحكم. كلّ ذلك لا يقدِّره، وليس له في نفسه اعتبار.
وفي آية أخرى: وَ ذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَ لَهْواً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ... ٤ إذا غرّت أحدنا دنياه اتخذ دين الله هزوا، لعبا، لهوا.
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ... ٥ الغرور قبل اتخاذ الدين هزوا، اتخاذ الدين لهوا هزوا لعبا نتيجة الغرور بالدنيا. إنّ أحدنا لينهزم أمام مال الدنيا، وآخر ينهزم أمام جاهها، وثالث ينهزم أمام ما فيها من قضايا جنس، وهكذا تجد الصرعى أمام الدنيا على أصناف. وكلّ من غرَّرت به دنياه خسر دينه.
فالإنسان قد يأخذ الدّين جدّاً لا هزل فيه، ويعيشه قضيَته الكبرى الأولى، ويراه مقياسه في كلّ مسائل الحياة، ويعطيه كل شيء في وجوده، ويسترخص كلّ شيء من أجله، وإذا دخله حبّ الدنيا واستعسلها، وتنفّذت في قلبه رأيته قد صغر في نفسه كل شيء دونها،