محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٢ - الخطبة الأولى
كل المجتمعات يخدم بعضها بعضاً، سواء كانت مجتمعات كافرة أو مؤمنة، لكن المجتمع المؤمن يتميّز في أن خدمة بعضه لبعض كثيرا ما تنطلق من قصد وجه الله تبارك وتعالى من غير انتظار ثمن دنيوي، وأن هذا التعاون والتكافل والتضامن والتناصر له منطلق خاصٌّ من نفس الإنسان المؤمن المشعّة بالإيمان.
يمكن أن يكون إهمال لإنسانية الإنسان، وتركٌ له في معاناته وشقائه في مجتمع لا يسوده إيمان، لكن إذا صدق الإيمان في مجتمع لن تجد في هذا المجتمع من يموت جوعاً والآخر بيده لقمة يسعفه بها، ولن تجد فيه مريضاً يستطيع آخر أن يعينه على مرضه، لن تجد أحداً يُسلَم إلى مشكلته والمجتمع منه من يجد قدرة على إخراج ذلك الإنسان من مأزقه وضيقه. كلّ ذلك ينطلق من قاعدة الإيمان والرغبة في ثواب الله تبارك وتعالى، والضمير الحيّ الذي يتربّى على القيم العالية والعطاء الكريم في ضوء التربية الإسلامية القيّمة.
" عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لم تتواخوا على هذا الأمر إنما تعارفتم عليه" ٢.
إخوتكم الإيمانية، رابطة الإسلام والإيمان التي تحيونها لستم حديثي عهدٍ بها، وليست الشيء الطارئ على وجودكم، إنها من أصل النور الذي التقيتم عليه إذ كنتم وأنتم في عالم الروح، وما قبل الأصلاب تشتركون في نور الإيمان، تشتركون في أمر الهداية، في الرابط الإيماني الذي يوحّدكم فكراً وشعوراً، إنّك لأخو أخيك المؤمن، وإنه لأخوك قبل أن توجدا هنا، وقبل أن تتعرف عليه ويتعرف عليك في هذه الحياة.
هنا تعارف، واكتشاف لإخوّة قديمة سابقة أصيلة متجذّرة، وهي إخوّة الإيمان، فأنت لا تملك هنا إلا أن تكون أخ صاحبك المؤمن، ولا يملك إلا أن يكون أخاك، فهذا ما تقضي به وحدة الفكر، ووحدة الشعور، والتلاقي على محبّة الله تبارك وتعالى وولائه.
" عن أبي جعفر عليه السلام قال: من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يُشبع جوعته ويواري عورته ويفرّج عنه كربته ويقضي دَينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده" ٣.