محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٣ - الخطبة الأولى
ونعود للحياء لنقول عنه بأنه أصل متجذّر من أصول الفطرة الإنسانية السليمة التي تزينُ بها شخصية هذا المخلوق الكريم، وتتسم بالوقار والعفة والنزاهة، وتتوفر على حالة من الأدب الجمّ، والاحترام الكبير في الأذواق الإنسانية السليمة.
وهذه جملة من الأحاديث الواردة عن المعصومين عليهم السلام في الموضوع:-
١. عن النبي صلّى الله عليه وآله:" لم يبق من أمثال الأنبياء إلا قول النّاس: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" ١.
فهمٌ يشترك في التأكيد عليه الأنبياء عليهم السلام وهو أن الحياء عصمة إذا خسرها صاحبها تسيَّب وضعُه الخلقي، ولم يُستكثر عليه التهتّك الشامل، وأي ممارسة قبيحة، فبعد حاجز الحياء لا حاجز عند هذا الإنسان عن أي قبيح. فانظر إلى أهمية الحياء في الحفاظ على الخلق والكرامة، وحماية الأفراد والأسر والمجتمعات من الذوبان، وانظر إلى إصرار مراكز التضليل بمختلف أنواعها وأنشطتها على هدم حاجز الحياء عند أجيال هذه الأمة، وما يفعل عبيدُ المال والشهوات وتجارهما بإنسانية الإنسان في كل مكان بما يحاولونه دائماً بأساليب شيطانية متنوّعة من اغتيال ملكة الحياء عند النّاس.
٢. عن الإمام علي عليه السلام:" غاية الحياء أن يستحي المرء من نفسه" ٢.
وما أعظمها من منزلة خلقية كريمة، من ورائها نفس مترفِّعة، وذوق إنساني عال، وروح شفّافة، وجمال معنوي كبير، تستوحش به النفس، وتنفر، وتتقبّض وهي في خلواتها أن يصدر منها قبيح، فهي لكمالها وشرفها تفرّ إباءً وسموّاً ورفعة عن فكرة الانحدار.
ومن استحى من غيره ولم يستح من نفسه فقد حقَّرها، وشهِد عليها بالهوان والدونيّة، وأن الغير أكرم منها في نفسه، وأحقّ بالاحترام.
ولا يكون للنفس ما تستحي به من القبيح حتى يَسلم لها نقاء فطرتها، أو تستعيدَه، وحتى تقتبس من الأخلاق التي دعا لها الله سبحانه. وكلما قربت النفس من ربِّها طهراً وزكاة