محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٨ - الخطبة الأولى
الضمير الإنساني اهتزازا عنيفا، ويعيش مأساته، ويجد أن اليد القاتلة قد تطاولت على أشرف ما يغنى به وجود الإنسان، وعلى مجموعة المثل العليا والأنوار المعنوية التي تشع بها شخصية كشخصية الرسول صلّى الله عليه وآله ذلك الرسول الذي لا يلحقه لاحق في منزلته الإنسانية الرفيعة.
وهذه الروح الإنسانية هي بدورها تتفاوت بتفاوت قربها وبعدها عن الله سبحانه وتعالى شأنا ومكانة واعتزازا عند الناس ممن لم يخسروا إنسانيتهم، ولم تقارب حياتهم حياة الحيوان.
ونقرأ عن النفس في الكتاب الكريم: إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ١، ونقرأ كذلك: وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ٢.
وخسارة النفس التي يتحدث عنها القرآن غير أن يقتل إنسان، غير أن يخسر بدنه، وتنتهي حياة البدن عنده. إنها خسارة الروح المشعّة، الغنية بالمعنويات والجمال المعنوي، العارفة بالله، السائرة على طريقه.
الخسارة الكبرى أن يخسر الإنسان نفسه بهذا المعنى فيتحول بعد منزلة رفيعة من الإنسانية إلى منزلة الحيوان، وإلى منزلة الحجر الذي يوقد عليه في النار.
إنسان بعد أن يخسر روحه الملائكية، وتنطفئ شعلة الروح في داخله وكأنه لم يكرَّم في يوم من الأيام بنفخة من روح الله، وحين يبقى مادة فقط، لحما ودما وعظما هو إنسان قد خسر نفسه، وإنسانٌ يستحق أن يكون شيئا من وقود النار ليس هو بالإنسان الذي كرمه الله تبارك وتعالى.