محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٠٣ - الخطبة الثانية
قد يوفّره الوجدان الفطري، وما يمكن أن يطلق عليه نورُ الفطرة، وقد يحتاج إلى جهد العقل، وقد توفره القرائن. المطلوب العلم، والبقية طرق.
وفي تفاصيل العقيدة ودقائقها مسائلُ الطريق إلى النتيجة الحاسمة فيها ليس سالكاً أمام العقلية العادية المتيسّرة في الناس العقلاء بمستوياتهم المختلفة. ولا يكلّف الله نفساً إلا وسعها.
أما فروع الدّين فمنها الواضح المعلوم للجميع، ومنها ما لا ينال إلا بالاجتهاد الصعب المتوقف على الاختصاص بطريقه الطويل، وجهوده المضنية، وما يتطلبه من مواهب متميزة، وهو ما لا يمكن ولا يناسب أن يكلف به الجميع.
والمجتهدون في الفروع إنما يتوصلون إليها عن طريق التعليل الديني، وليس عن طريق الفلسفة العقلية التي تضع يدها على مقتضيات الحكم وشروطه وموانعه من الناحية الموضوعية والواقعية لتنتهي لإثباته أو نفيه على أساس من تمام العلة أو عدمها بهذا المعنى المذكور.
وعليه فالالتزام الديني لابد له من أرضية تتمتع بالوضوح العقلي والوجداني الكامل وذلك في مرحلة أصول الدين.
ثم يأتي دور التسليم في مرحلة الفروع وخاصة في العبادات كالصلاة والصوم والحج، وهو تسليم لا يأتي من فراغ، ولا ينطلق من سذاجة وعقلية سطحية، وإنما يستمد معقوليته وعقلانيته ووجاهته من تلك الأرضية التي اشترطنا فيها الوضوح التامّ.
فالتوحيد وهو أول وأهم أصل من أصول العقيدة قضية أُلهمت إياها الفطرة، وغرست في وجدان الإنسان، والأدلة العقلية عليها وافرة بالغة، والآيات المؤشرة عليها بل المؤكدة لها في الآفاق والأنفس لا تحصى.