السيرة النبوية عند أهل البيت - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ٩
قال الزبير بن بكار في الموفقيات / ٢٢٢ ، وهو من علماء السلطة : « قدم سليمان بن عبد الملك إلى مكة حاجاً سنة ٨٢ ه - ، فأمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبي ( ٦ ) ومغازيه فقال له أبان : هي عندي قد أخذتها مصححةً ممن أثق به . فأمر سليمان عشرة من الكتاب بنسخها فكتبوها في رق ، فلما صارت إليه نظر ، فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وفي بدر ، فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل ! فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم ، وإما أن يكونوا ليس هكذا ! فقال أبان : أيها الأمير لايمنعنا ما صنعوا أن نقول بالحق ، هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا ! فقال سليمان : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين لعله يخالفه ، ثم أمر بالكتاب فحُرِق ! ورجع فأخبر أباه عبد الملك بن مروان بذلك الكتاب ، فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تَقْدِمْ بكتاب ليس لنا فيه فضل ، تُعَرِّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها ! قال سليمان : فلذلك أمرت بتحريق ما نسخته » !
فالميزان عند الخليفة : أن يكون في الكتاب مدحٌ لبني أمية ، أما إذا كان فيه مدحٌ لآخرين فيقول لابنه : « وما حاجتك أن تَقْدِم بكتاب ليس لنا فيه فضل » !
وترى في هذا النص أن الخلافة تتبنى سياسة التعتيم والتجهيل ، فقد قال لابنه : تُعَرِّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها ! وقد طبقها الابن وحرق ما كتبوه له !
كنوزٌ من السيرة وعلوم الإسلام أحرقتها السلطة !
حرصت الحكومات القرشية على إحراق كتب شيعة أهل البيت « : » وإبادتها ، ومع ذلك سلمت من نارهم ثروة كبيرة ، تغطي كثيراً من فصول السيرة النبوية وليس كلها ، ونراها أحياناً تستفيض بأوسع من السيرة الحكومية .
ويكفيك مثالاً على سياستهم في إبادة العلم : كُتب جابر بن يزيد الجعفي ، وكُتب أحمد بن عقدة ، وكُتب سليمان الأعمش ، وهم علماء موثقون عندنا وعندهم ! فقد أحرقوا كتبهم أو فقدت من تلاميذهم في سنوات تشريدهم وتقتيلهم ! وقد بلغت مؤلفاتهم نحو أربع مئة ألف حديث ، أي مئتي مجلداً !