منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٦٩ - (حرف الهمزة)
..........
قال الذهبي: و بين الأئمة اختلاف كثير في الفروع و بعض الأصول، و للقليل منهم غلطات و زلفات، و مفردات منكرة، و إنما أمرنا باتباع أكثرهم صوابا، و نجزم بأنّ غرضهم ليس إلا اتّباع الكتاب و السّنة، و كلّ ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل.
قال: و إذا رأيت فقيها خالف حديثا، أو ردّ حديثا، أو حرّف معناه، فلا تبادر لتغليطه؛ فقد قال عليّ كرّم اللّه وجهه- لمن قال له: أ تظنّ أنّ طلحة و الزّبير كانا على باطل!؟-: يا هذا إنّه ملبوس عليك، و إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.
و ما زال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع و بعض الأصول مع اتفاق الكلّ على تعظيم الباري جلّ جلاله، و أنه ليس كمثله شيء، و أن ما شرعه رسوله حقّ، و أن كتابهم واحد، و نبيّهم واحد، و قبلتهم واحدة، و إنما وضعت المناظرة لكشف الحقّ، و إفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه، و تنبيه الأغفل الأضعف، فإن داخلها زهو من الأكمل، و انكسار من الأصغر! فذلك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن اللّه تعالى؛ فما الظّنّ بالنفوس الشريرة المنطقية. انتهى.
و يجب علينا أن نعتقد أنّ الأئمة الأربعة و السّفيانين و الأوزاعي و داود الظاهري و إسحاق بن راهواه و سائر الأئمة على هدى، و لا التفات لمن تكلّم فيهم بما هم بريئون منه. و الصحيح- وفاقا للجمهور- أن المصيب في الفروع واحد، و للّه تعالى فيما حكم عليه أمارة، و أنّ المجتهد كلّف بإصابته، و أن مخطئه لا يأثم؛ بل يؤجر، فمن أصاب فله أجران، و من أخطأ فله أجر.
نعم؛ إن قصّر المجتهد أثم اتفاقا، و على غير المجتهد أن يقلّد مذهبا معيّنا.
و قضية جعل الحديث «الاختلاف رحمة» جواز الانتقال من مذهب لآخر.
و الصحيح عند الشافعية جوازه، لكن لا يجوز تقليد الصحابة و كذا التابعين- كما قاله إمام الحرمين- من كلّ من لم يدوّن مذهبه، فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء و الإفتاء، لأن المذاهب الأربعة انتشرت و تحرّرت؛ حتى ظهر تقييد مطلقها