منتهى السؤل على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول(ص) - عبد الله بن سعيد محمد العبادي - الصفحة ٢٦٨ - (حرف الهمزة)
..........
«اختلاف أمتي رحمة» كالصّريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام، كما نقله ابن الصلاح؛ عن مالك من أنّه قال في اختلاف أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: مخطئ و مصيب، فعليك بالاجتهاد.
قال: و ليس كما قال ناس: فيه توسعة على الأمّة بالاجتهاد إنّما هو بالنّسبة إلى المجتهد، لقوله: فعليك بالاجتهاد، فالمجتهد مكلّف بما أدّاه إليه اجتهاده؛ فلا توسعة عليهم في اختلافهم، و إنّما التوسعة على المقلّد، فقول الحديث «اختلاف أمّتي رحمة للناس» أي: لمقلديهم، و مساق قول مالك «مخطئ و مصيب ... الخ» إنّما هو الردّ على من قال: من كان أهلا للاجتهاد له تقليد الصحابة دون غيرهم.
و في «العقائد» لابن قدامة الحنبلي: «إن اختلاف الأئمة رحمة و اتفاقهم حجة». انتهى.
فإن قلت: هذا كلّه لا يجامع نهي اللّه تعالى عن الاختلاف، بقوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا [١٠٣/ آل عمران] و قوله تعالى وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [١٠٥/ آل عمران]؟! الآية.
قلت: هذه دسيسة ظهرت من بعض من في قلبه مرض، و قد قام بأعباء الردّ عليه جمع جمّ؛ منهم: ابن العربي و غيره بما منه أنّه سبحانه و تعالى إنما ذمّ كثرة الاختلاف على الرسل كفاحا، كما دلّ عليه خبر: «إنّما أهلك الّذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم».
و أما هذه الأمّة! فمعاذ اللّه تعالى أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين؛ لأنه أوعد الّذين اختلفوا بعذاب عظيم. و المعترض موافق على أنّ اختلاف هذه الأمّة في الفروع مغفور لمن أخطأ منهم، فتعيّن أنّ الآية فيمن اختلف على الأنبياء؛ فلا تعارض بينها و بين الحديث.
و فيه ردّ على المتعصبين لبعض الأئمة على بعض، و قد عمّت به البلوى و عظم به الخطب.