البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٩٠ - النقطة الثالثة النزاع بين الأصولي و الأخباري في تحديد القاعدة الثانوية
و الأوّل غير مراد قطعاً في كلام المشهور و لو عملًا؛ و إلا، فكيف حكموا بمنجزية التكاليف الثابتة عن طريق الأمارات مع إن الواقع لا زال مشكوكاً بعد عدم إفادة الأمارة إلا للظن؟!
فيتعيّن أن يكون مرادهم هو الثاني، أي ما يشمل العلم التعبدي أيضاً، و مطلق ما قامت عليه الحجة الشرعية، فحينئذ: يقع البحث و النزاع صغروياً بين الأخباري من جهة و الأصولي من جهة أخرى [١]، في أنه هل يوجد شرعاً و بحسب الأدلة الشرعية ما يكون بياناً على الحكم الشرعي بالمعنى المتقدم من تفسير البيان و شموله لمطلق العلم سواء كان وجدانياً أو تعبدياً، فيكون ذلك رافعاً لموضوع القاعدة و نافياً له، أم عدم وجود ما يدل على ذلك فتكون الوظيفة بحسب ما تقتضيه القاعدة الأولية لا غير؟
فاتضح إن المشهور أيضاً بحاجة إلى البحث عن الوظيفة العملية الثانوية و هل هي البراءة أو الاحتياط و ذلك لأن النزاع بينه و بين الأخباري في صغرى قاعدة قبح العقاب بلا بيان من حيث ورود البيان الشرعي على الحكم الشرعي أو عدم وروده، فإنه قد يدعى وجود أدلة شرعية تكون بياناً على الحكم الشرعي، كأدلة وجوب
الاحتياط كما ادعى الأخباري ذلك، فينتفي حكم العقل بالبراءة بانتفاء موضوعه و هو عدم البيان؛ لأن وجوب الاحتياط بيان، و تكون القاعدة الثانوية و بلحاظ الأدلة الشرعية هي أصالة الاحتياط.
مما سبق، يتضح مدى تأثير البحث في الأدلة الشرعية في تحديد الوظيفة العملية الثانوية من حيث كونها البراءة أو الاحتياط سواء قلنا إنّ القاعدة العملية الأولية هي
[١] قال المحقق العراقي في مقالات الأصول، ج ٢، ص ١٥٠:) ثم إن نزاع الطرفين في الشبهات المزبورة ليس في كبرى قبح العقاب بلا بيان، و لا في قاعدة دفع الضرر المحتمل في المضار الأخروية، إذ من البديهي أن كل واحدة من الطائفتين غير منكرين للقاعدتين العقليتين. كما أنه لا شبهة في ورود قاعدة القبح على القاعدة الأخرى، لعدم احتمال الضرر بجريان الأولى. بل تمام نزاع الطرفين في صغرى القاعدتين».