البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٧٤ - الوجه الثالث لا وجود للعلم الإجمالي في الدوران المذكور أساساً
بوجوب الأقل و الشك البدوي في وجوب الزائد.
وعليه، فإن لوحظ العلم بوجوب الأقل بكل ما له من خصوصيات، ككونه وجوباً استقلالياً أو ضمنياً، أو كونه وجوباً مطلقاً أو مقيداً، أمكن تصور العلم الإجمالي في المقام؛ لأن مثل هذه الخصوصيات توجب التباين كما هو واضح. و لكن، مثل هذا العلم الإجمالي لا قيمة له أصلًا؛ لأنه غير صالح للتنجيز أساساً؛ لأن تلك الخصوصيات بنفسها لا تصلح للتنجيز كما وضحا ذلك سابقاً.
و إن لوحظ العلم بوجوب الأقل بالمقدار الذي يصلح مثل هذا العلم لتنجيزه و إدخاله في عهدة المكلف، فلا علم إجمالي أصلًا، بل هناك علم تفصيلي بوجوب الأقل و شك بدوي في وجوب الزائد كما هو واضح.
و بهذا الوجه، يتضح أن البرهان الأول ساقط من حيث الأساس، كما أن دعوى الانحلال ساقطة أيضاً؛ لأنها تستبطن في نفسها الاعتراف و التسليم بوجود علم إجمالي في المورد المذكور؛ لأن دعوى انحلال العلم الإجمالي يفترض وجود علمين لو لا الانحلال [١]: أحدهما: العلم الإجمالي المنحل بحسب الفرض، و الآخر: العلم التفصيلي الذي كان سبباً في انحلال العلم الإجمالي، مع أنه لا وجود- في المقام- إلا لعلم واحد هو العلم التفصيلي بوجوب الأقل و الشك البدوي في وجوب الزائد [٢].
[١] و أما في ظرف الانحلال فلا وجود في النفس إلا للعلم التفصيلي؛ لأن الانحلال يوجب زوال العلم الإجمالي من النفس و يحل محله العلم التفصيلي بوجوب الأقل و الشك البدوي بوجوب الزائد، و معه، فلا وجود في النفس إلا لعلم واحد، و هو ذلك العلم التفصيلي، أما لو غضضنا النظر عن الانحلال، و لاحظنا الحالات التي طرأت على النفس، لوجدنا علمين: احدهما: إجمالي، و الآخر: تفصيلي
[٢] إنّ هذا الوجه في الجواب على البرهان المذكور يختلف تماماً عن الوجوه الأخرى و إن كانت النتيجة واحدة و هي العلم التفصيلي بوجوب الأقل و الشك البدوي في وجوب الزائد، و أنه على كل الوجوه المذكورة سوف يسقط البرهان الأول المانع عن جريان البراءة عن الزائد في المورد المذكور. و لكن، لا يخفى عليك إن هناك فرقاً بين القول بأنه لا علم إجمالي من الأساس، و إن هذا العلم التفصيلي هو ما يقتضيه الدوران بين الأقل و الأكثر، و بين القول بأن هذا العلم التفصيلي هو الموجب لانحلال العلم الإجمالي المدعى، فإن التسليم بوجود العلم الإجمالي يعني الالتزام ضمنياً بوجود المانع من جريان البراءة، و معه، نكون بحاجة إلى إثبات انحلاله، و قد لا نتمكن من إثبات ذلك، و قد لا تسلم كل دعاوى الانحلال المذكورة من المناقشات.