البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٠ - تحقيق الحال في الاتجاه الأول
عنوان الأمارة و الأصل لم يردا في لسان الدليل الشرعي و ليس هما موضوعين لحكمين شرعيين حتى يكتفى بمثل هذا التفريق، بل الأساس في البحث عن الفرق بينهما إنما هو تبرير ما يترتب عليهما من آثار، و ما يميّز كلًا منهما من خصوصيات، من قبيل: الالتزام بحجية مثبتات الأمارات دون مثبتات الأصول العملية.
وعليه، فلا بد من التفريق بينهما بنحو يحقق لنا هذا الهدف، و لا بد من إبراز النكتة في ذلك. و أمّا الاختلاف الصياغي بين لسان الأمارة و لسان الأصل فهو إن كان تاماً فما هو إلا تعبير عن ذلك الفرق الجوهري الذي يبرر و يفسر الاختلاف بينهما في الآثار. وعليه، فلا يصلح هذا التفريق المذكور للإجابة على التساؤل المفترض [١].
[١] فإن قلت: إذا كان هذا التفريق لا يجيب عن التساؤل المفترض- و هو حجية مثبتات الأمارات دون الأصول العملية- فكيف أجاب المحقق النائيني عن هذا التساؤل مع العلم بالتزامه بحجية المثبتات في الأمارات دون الأصول العملية؟
كان الجواب: إن ما أفاده المحقق قد حل على أساسه نكتة كون مثبتات الأمارات حجة دون مثبتات الأصول العملية، فقد قال: السر في اعتبار مثبتات الأمارات دون الأصول يتضح من خلال التفريق بين المجعول في باب الأمارات و الأصول العملية، فما دام المجعول في باب الأمارات هو الطريقية و العلمية، و كون الأمارة كاشفة عن الواقع كشفاً ناقصاً، و الشارع جعل هذا الكشف الناقص كشفاً تاماً بمقتضى دليل اعتبار الحجية لها، فأصبحت علماً، أي: علماً بالمؤدى، و إذا كان المؤدى معلوماً فكذلك لوازمه، للقاعدة القائلة: إن العلم بالشيء علم بلوازمه، وعليه، فاللازم العقلي للمؤدى الذي أصبح معلوماً يكون معلوماً أيضاً، وعليه، تكون مثبتات الأمارات حجة دون مثبتات الأصول العملية؛ لأن المجعول في الأصل العملي هو اعتبار نفس المؤدى و التطبيق العملي وفقاً له، فالمتعبد به هو تطبيق العمل على نفس المؤدى، و أما لوازمه فلم يتعبدنا الشارع بها، بخلاف الأمارة؛ فإن المتعبد به هو المؤدى و لوازمه.
إذن، المحقق النائيني قد أجاب على ذلك التساؤل من خلال الالتزام بأمرين:
الأول: إن الشارع جعل الأمارة علماً و الثاني: إن العلم بالشيء علم بلوازمه.
هذا، و قد أشكل السيد الخوئي على الأمر الثاني، مع إيمانه بأن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية و العلمية و في باب الأصول مجرد الوظيفة العملية، لكنه ذهب إلى أن مقولة:) العلم بالشيء علم بلوازمه»، لا تجري هنا؛ إذ العلم على قسمين: وجداني و تعبدي، و المقولة المتقدمة جارية في العلم الوجداني دون التعبدي؛ إذ لا ملازمة بين التعبد بشيء و بين التعبد بلوازم ذلك الشيء، فبالإمكان أن يتعبدنا الشارع بالمؤدى دون أن يتعبدنا بلوازمه، و من هنا أنكر السيد الخوئي حجية مثبتات الأمارات على الرغم من التزامه بأن المجعول فيها هو العلمية و الطريقية، وعليه، فثبوت اللوازم العقلية لمؤديات الأمارات فضلًا عن الأصول العملية بحاجة إلى عناية زائدة لا يقتضيها نفس دليل الحجية.