البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٦ - أولًا خصائص الأصول العملية
و حيث أن الأصول العملية الشرعية نوع من الأحكام الظاهرية المجعولة في فرض الشك في الأحكام الواقعية، فهي طريقية إذن بالمعنى المتقدم، و ليس طريقيتها بمعنى: كشفها عن الواقع و كونها طريقاً للوصول إليه، بل بمعنى: تنجيز الواقع و تسجيله في عهدة المكلف، و تصحيح العقاب على مخالفته كإيجاب الاحتياط، أو التعذير عنه كالبراءة.
و أما الأحكام الظاهرية في باب الأمارات فهي- مضافاً إلى كونها طريقية بالمعنى المتقدم أيضاً- طريقية بمعنى آخر، و هو تحديد الواقع و تشخيصه، و كونها طريقاً للوصول إليه و الكشف عنه و لو كشفاً ظنياً ناقصاً، و لأجل ذلك سميت بالأدلة المحرزة، فهي تحرز الواقع و تشخصه من حيث كونه وجوباً أو حرمةً أو غيرهما من الأحكام الشرعية الأخرى.
و بهذا المعنى امتازت الأمارات عن الأصول العملية و إن اشتركت مع الأصول العملية في انتهائها إلى التنجيز أو التعذير [١].
و التفريق بينهما بهذا النحو لا يكشف عن حقيقة كل منهما و كيفية جعلهما من قبل الشارع بالنحو الذي يفي بتبرير و تفسير اختلافهما في الآثار، من قبيل: حجية مثبتات الأمارات دون مثبتات الأصول العملية، و لأجل ذلك، وقع الكلام بين الأصوليين في كيفية التفريق بين الأحكام الظاهرية المجعولة في باب الأمارات و الأحكام الظاهرية المجعولة في باب الأصول العملية الشرعية، و وجدت في ذلك عدة اتجاهات [٢]
[١] قال المحقق العراقي في مقالات الأصول، ج ٢، ص ١٩:) و من ذلك يلتزم أيضاً باشتراك الأمارات و الأصول في لب أساس المنجزية»
[٢] اعلم أن المعروف من تلك الاتجاهات في كلمات المحققين من علماء الأصول هو ثلاثة اتجاهات، و بعد مناقشة السيد الشهيد الصدر لهذه الاتجاهات و عدم صلاحيتها لتبرير و تفسير الاختلاف في الآثار بين الأمارة و الأصل العملي، تصدى بنفسه لبيان الفرق الجوهري في المقام بالنحو الذي يفي بالغرض المطلوب من التفريق، و بهذا تكون الاتجاهات أربعة.