البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٠٤ - النقطة الأولى في بيان أن عدم الوصول سبب للبراءة أم مورد لها
الثاني: أن تكون الآية في مقام نفي الإدانة و الكلفة في مورد التكليف غير المأتي.
فإن كان معنى الآية: أنه لا إدانة بسبب التكليف غير المأتي كما هو مقتضى الاحتمال الأول، و الذي يعني: إن التكليف الذي لا يكون واصلًا أو مأتيّاً لا إدانة بسببه و من ناحيته، و الذي لا ينافي أن يكون هناك سبب آخر للإدانة غير وصول التكليف، كما لو كان ذلك السبب هو وجوب الاحتياط تجاه ذلك التكليف، فسوف تكون الآية محكومة لدليل إيجاب الاحتياط، فلا تنفع حينئذ لمعارضة أدلة وجوب الاحتياط التي ادعاها الأخباري.
و السر في ذلك واضح؛ إذ لا منافاة بين أن يأتي دليل و ينفي الإدانة بسبب شيء معين و يأتي آخر و يثبتها لسبب آخر و الحال في المقام- بناءً على هذا الاحتمال- يكون من هذا القبيل.
و إن كان معنى الآية: أنه لا كلفة و لا إدانة في مورد التكليف غير المأتي (أي: في مورد لم يصل فيه دليل عليه)، فسوف يقع التعارض بين هذه الآية و بين دليل وجوب الاحتياط الذي ادعاه الاخباري؛ لأن الآية الكريمة تنفي الإدانة في مورد التكليف غير الواصل، و دليل وجوب الاحتياط يثبت الإدانة في مورد التكليف غير الواصل، فيقع التعارض بينهما؛ لأنه لا يعقل أن يكون المورد مورداً لجريان البراءة الشرعية و يكون في نفس الوقت مورداً لوجوب الاحتياط؛ لما عرفناه سابقاً من التنافي بين الأحكام الظاهرية.
و من الواضح: أن الذي ينفعنا في المقام إثبات الاحتمال الثاني؛ لأننا- و كما ذكرنا- نريد دليلًا يكون صالحاً لمعارضة دليل الأخباري لو تم.
و كلا الاحتمالين وارد و ممكن في المقام، فنحتاج لتعيين أحدهما دون الآخر إلى قرينة، و القرينة في المقام تكون لصالح الاحتمال الثاني الذي يقتضي حمل الآية
على الموردية لا السببية.
و تلك القرينة هي عبارة عن: مناسبة مورد الآية [١] و هو (المال) لحملها على الموردية؛
[١] و هذا ما استقربه السيد الشهيد الصدر بحسب ما جاء عنه في تقريرات بحثه، حيث قال:) فإن كان المعنى أنّ الشيء الذي لم أوت به لا أكلف بسببه، فلا يكون نافياً للاحتياط الشرعي؛ لأن دليله يثبت الكلفة بسبب إيجاب الاحتياط. و إن كان المعنى أن الشيء الذي لم يؤت لا كلفة في مورده كان منافياً لإيجاب الاحتياط الشرعي. و الأقرب هو ذلك كما هو المناسب مع مورد الآية». راجع: بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ٣٣.