البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٨٣ - الثاني مسلك حق الطاعة
ما يعرف بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) التي استند إليها المشهور في تحديد الوظيفة أو القاعدة العملية الأولية عند الشك في التكليف و هي البراءة العقلية، نصل إلى المسلك الثاني المختار و هو مسلك (حق الطاعة) [١]، و الذي نؤمن من خلاله بأن المولوية الذاتية الثابتة للمولى سبحانه و تعالى لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل أيضاً مطلق التكاليف الواصلة و لو بمستوى الاحتمال.
و حق الطاعة من مدركات العقل العملي، و هذه القضية غير مبرهنة و إنما يدركها الوجدان، فكما أن أصل حق الطاعة للمنعم و الخالق مدرك أولي للعقل العملي غير
مبرهن، فكذلك حدود هذا الحق سعة و ضيقاً؛ لأنّ البرهان لا بد و أن ينتهي إلى قضايا أولية يعتمد عليها، و من المعلوم: أنّ القضايا الأولية لو احتاجت بنفسها إلى البرهان لتسلسل الأمر، و لما تمكنّا من البرهنة على شيء، فالقضايا الأولية هي الأساس في كل برهان، و لأجل ذلك لا تكون تلك القضايا بحاجة إلى برهان.
وعليه، فالقاعدة العملية الأولية التي يقررها العقل في مورد الشك في التكاليف الواقعية هي أصالة الاشتغال و منجزية الاحتمال ما لم يثبت الترخيص الجاد من المولى في ترك التحفظ و الاحتياط [٢] على ما تقدم في مباحث القطع.
فلا بد- على هذا- من الكلام عن هذا الترخيص و إمكان إثباته شرعاً، و هو ما يسمى بالبراءة الشرعية أو الوظيفة الثانوية في حالة الشك.
[١] المقصود به مسلك أصولي في إثبات التنجيز لأحكامه سبحانه و تعالى في ظرف الشك في أحكامه الواقعية و عدم وصولها إلى المكلف، و إلا، فثبوت أصل حق الطاعة للمولى على العبد في الجملة مما لا إشكال فيه، كما في موارد العلم بالتكليف، فإنه لم يقع مورداً للاختلاف بين الأصوليين، و لم يكن شيئاً جديداً
[٢] من دون فرق في ذلك بين أن يثبت مثل هذا الترخيص بأمارة دالة على عدم الوجوب أو الحرمة كخبر الثقة- مثلًا- و بين أن يثبت بأصل عملي شرعي كالبراءة أو الإباحة أو غيرهما من الأصول الترخيصية؛ لارتفاع موضوع حكم العقل بالمنجزية في الحالتين.