البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٧٢ - تحقيق الحال في هذا الوجه
تحقيق الحال في هذا الوجه:
قوله (قدس) ص ٢٩: «و قد عرفت في حلقة سابقة، أن هذا الكلام ... إلخ».
إنّ الاستدلال المذكور ينطلق في تقريبه من دعويين:
الأولى: إنّ العقاب على مخالفة تكليف مع عدم وجود المقتضي لإيجاده قبيح.
الثانية: إنّ المقتضي للتحرك نحو إيجاد ما تعلق به التكليف هو العلم بوجود التكليف لا مجرد وجوده الواقعي، فيكون العقاب مع عدم المقتضي للتحرك قبيحاً.
و التحقيق: أنّنا و إن كنا نسلّم بالمقدمة الأولى لوضوحها، إلا أننا لا نسلّم بالمقدمة الثانية؛ لأنها تتضمن مصادرة على المطلوب، فإنّ الكلام أساساً إنما هو في وجود المقتضي و عدمه عند الشك في التكليف و عدم العلم به. و من المعلوم: أن تحديد ذلك إنما يتم بالرجوع إلى حق الطاعة الثابت للمولى سبحانه و تعالى؛ و ذلك لأن المحركية من شئون المولوية و حق الطاعة كما هو واضح؛ إذ لو لا ذلك لما كان التكليف محركاً حتى مع القطع به كما مرّ بيانه في بحث حجية القطع.
و إذا كان الأمر كذلك، فالقول بعدم وجود المقتضي للتحرك في موارد عدم العلم بالتكليف يعني: الالتزام بعدم شمول دائرة حق الطاعة لموارد الشك في التكليف و اختصاصه بموارد القطع بالتكليف، و إلا، فلو التزمنا بشمول حق الطاعة لموارد احتمال التكليف و عدم العلم به، كان المقتضي للتحرك موجوداً، و حينئذٍ يكون العقاب على مخالفة التكليف غير الواصل بالعلم و اليقين عقاباً مع وجود المقتضي للتحرك لا عقاباً مع عدم المقتضي له، فالقول بعدم المقتضي للتحرك في موارد عدم العلم بالتكليف مصادرة واضحة؛ لأنه ينتهي لا محالة إلى تحديد دائرة
حق الطاعة و تخصيصها بموارد العلم بالتكليف، و هذا أول الكلام [١].
[١] إن قلت: لو كان الأمر بهذه الدرجة من الوضوح فكيف غفل مشهور الأصوليين عنه و ذهبوا إلى القول بقبح العقاب بلا بيان؟
كان الجواب: إنّ المحققين من الأصوليين لم يغفلوا عن ذلك، و إنما فرقوا بين المولوية و حق الطاعة و بين المنجزية و الحجية، و قالوا بأنّ الكلام عن المنجزية و الحجية لا ربط له أصلًا بمولوية المولى و ما له من حق الطاعة على العباد، و إنما هو مرتبط بوصول تلك التكاليف و عدم وصولها، و جعلوا المنجزية من شئون القطع بالتكليف.