البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٩ - الجواب على الاعتراض الثاني
الجواب على الاعتراض الثاني:
قوله (قدس) ص ٢٠: «و الجواب على ذلك: أن احتمال ذات التكليف ... إلخ».
و يمكن الجواب على الاعتراض المذكور بعدم لزوم اللغوية من إجراء البراءة عن
الحجية المشكوكة؛ لأنّ المدعى هو إجراء البراءة المذكورة بعد إجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك لا بدونه. و من الواضح: أنّ التأمين عن التكليف الواقعي
المشكوك لا يلازم التأمين عن الحجية المشكوكة، و إذا كان الأمر كذلك، فالبراءة الأولى لا تغني عن البراءة الثانية ما دام كل من الاحتمالين صالحاً في نفسه للتنجيز؛ فإنّ احتمال ذات التكليف الواقعي شيء، و احتمال كونه واصلًا إلى مرتبة من الاهتمام المولوي التي تعبر عنها الحجية المشكوكة شيء آخر.
و التأمين عن الأول لا يلازم التأمين عن الثاني؛ و ذلك لإمكان افتراض التأمين عن ذات التكليف الواقعي المشكوك الذي يعلم معه بعدم قيام الحجة الشرعية عليه مع عدم التأمين عنه مع احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، فللشارع أن يقول للمكلف: «كلما احتملت تكليفاً و أنت تعلم بعدم قيام الحجة الشرعية عليه فأنت في سعة من ناحيته»، و «كلما احتملت تكليفاً و احتملت قيام الحجة الشرعية عليه فاحتط بشأنه»، ففي الأول يحكم بالبراءة، و في الثاني يحكم بالاحتياط بدون أي تناف بين هذين الحكمين. و إذا كان الأمر كذلك، فلا يصح القول بأنه مع إجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك لا حاجة لإجراء براءة ثانية عن الحجية المشكوكة. وعليه، فلا يكون إجراء البراءة الثانية لغواً [١].
[١] يمكن أن يقال: إنّ إمكان أن يصدر من الشارع كلا القولين المتقدمين و إن كان صحيحاً في نفسه، إلا أنه لا ينطبق على ما نحن فيه؛ إذ لا وجود في المقام لموردين أحدهما: احتمال التكليف مع العلم بعدم قيام الحجة الشرعية عليه، و الآخر: احتمال التكليف مع احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، بل ما نحن فيه من المورد الثاني كما هو واضح، و ربما كان نظر المعترض إلى أنه بعد افتراض إجراء البراءة عن التكليف الواقعي الذي نحتمل معه كونه بدرجة من الأهمية التي لا يرضى المولى معها بتفويته و تضييعه، فلا حاجة لإجراء براءة ثانية عن الحجية المشكوكة؛ لأنّ غاية ما تفيده الحجية المشكوكة هو احتمال كون التكليف بتلك الدرجة من الأهمية و قد أمن عن جميع ذلك بالبراءة الأولى، و معه، فلا حاجة لإجراء براءة ثانية.
نعم، لو كان عندنا شخصان أحدهما: يحتمل ذات التكليف الواقعي مع عدم احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، و الثاني: يحتمل ذات التكليف الواقعي مع احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، أمكن أن يحكم الشارع بالبراءة في الأول و بالاحتياط في الثاني، و لكن المقام فيما نحن فيه ليس كذلك، فالمكلف إما أن يحتمل التكليف الواقعي مع عدم احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، و إما أن يحتمله مع احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، و الأول خارج عن الفرض و الثاني لا يمكن أن يكون محكوماً بحكمين كما هو واضح، وعليه، يكون إجراء البراءة الثانية لغواً، فتأمل.