البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٦٢ - ١- الدوران بين الأقل و الأكثر في الأجزاء
يعني احتمال وجوب الأكثر، و احتمال عدم دخالتها فيه يعني: احتمال وجوب الأقل لا غير، فيدور عند المكلف أمر الواجب بين الأقل و الأكثر من ناحية الأجزاء.
و في مثل هذه الحالة، قد يقال بأن الحكم فيها كالحكم في الدوران بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين [١] من حيث جريان البراءة عن الزائد، و بالتالي، الاكتفاء بالأقل؛ باعتبار أن الأقل معلوم على كل تقدير، أي: سواء كان الواجب هو الأقل أو الأكثر، فيتنجز الأقل بذلك العلم، و أما الزائد فهو مشكوك بالشك البدوي فتجري عنه البراءة.
و هذا المعنى هو ما يقتضيه الدوران بين الأقل و الأكثر بحسب طبعه، فإن كل دوران من هذا القبيل ينتهي لا محالة إلى علم بالأقل و شك في الزائد، و لو لم يكن كذلك لما كان من الدوران بين الأقل و الأكثر حقيقة، بل كان من العلم الإجمالي
كما هو واضح [٢].
[١] إن قلت: إذا كان حكم الدوران بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين هو جريان البراءة عن الزائد و الاكتفاء بالأقل في مقام الامتثال؛ باعتبار أن الأقل معلوم و الزائد مشكوك، فليكن الأمر كذلك في مورد الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، فإن الأقل فيه معلوم على كلا التقديرين، و الزائد مشكوك فتجري عنه البراءة، فما الفرق بين الموردين؟
كان الجواب: إنّ الدوران بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين هو من الدوران بين الأقل و الأكثر حقيقة، بنحو يكون الوجوب المتعلق بالزائد على تقدير كون الواجب هو الأكثر وجوباً مستقلًا عن وجوب الأقل الذي في ضمنه، فيكون له امتثالًا يخصّه، و لا ربط له بامتثال أو عدم امتثال الوجوب الآخر، فالوجوب هنا متعدد، و الامتثال متعدد أيضاً.
و أما في مورد الدوران بين الأقل و الأكثر الارتباطيين، فالوجوب واحد و الامتثال أيضاً واحد، فإما أن يكون ممتثلًا بلحاظ جميع الأجزاء، و إما أن يكون عاصياً بلحاظ جميعها و إن أتى ببعضها. و هذا من نتائج كون الوجوب ارتباطياً و ضمنياً. و من هنا، قد لا يكون الدوران المذكور من الدوران بين الأقل و الأكثر حقيقة، بل ربما يكون من الدوران بين المتباينين و إن كانت ذوات الأجزاء في الأقل هي نفسها في الأكثر مع ضميمة الجزء المشكوك، و لأجل هذا قد لا يكون الحكم فيهما واحداً. فتأمل جيداً
[٢] و هذا ما ذهب إليه المحقق الخراساني حيث قال في كفاية الأصول، ص ٤١٣ تحت هذه المسألة:) و الحق أن العلم الإجمالي بثبوت التكليف بينهما أيضاً يوجب الاحتياط عقلًا باتيان الأكثر؛ لتنجزه به حيث تعلق بثبوته فعلًا». و لكنه استدرك قائلًا:) هذا بحسب حكم العقل. و أما النقل، فالظاهر أن عموم مثل حديث الرفع قاض برفع جزئية ما شك في جزئيته، فبمثله يرتفع الإجمال و التردد عما تردد أمره بين الأقل و الأكثر و يعيّنه في الأول». راجع: كفاية الأصول، ص ٤١٦.