البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٥١ - دوران الأمر بين المحذورين في أكثر من واقعة
آخر، فإنه من جهة الإتيان قد خالف الحرمة قطعاً [١]، و من جهة
الترك قد خالف
[١] ينبغي الالتفات هنا، إلى أنّ المقصود بإمكان المخالفة القطعية في المقام، ليس هو مخالفة العلم الإجمالي المذكور بعنوانه، بل المقصود به هو مخالفة علمين إجماليين آخرين يولدهما العلم الإجمالي المذكور، و هما: العلم الإجمالي إما بوجوب الفعل في اليوم الأول و إما بحرمته في اليوم الآخر، و العلم الإجمالي إما بحرمة الفعل في اليوم الأول و إما بوجوبه في اليوم الآخر. و أما بالنسبة إلى المخالفة القطعية للعلم الإجمالي المذكور بعنوانه فهي مستحيلة، و غير ممكنة، و هذا ما أشار إليه السيد الشهيد في بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ١٦٣، بقوله:) و هنا العلم الإجمالي الدائر بين المحذورين في كل من اليومين و إن كان يستحيل مخالفته القطعية و لا يقبل التنجيز إلا أنه يوجد هناك علمان إجماليان آخران يمكن مخالفتهما القطعية». و الوجه في عدم إمكان المخالفة القطعية للعلم الإجمالي المذكور، هو: أنّ الملحوظ في كل من الوجوب و الحرمة في المقام هو المجموع بما هو مجموع؛ فإن أيام الشهر المأخوذة في المثال المذكور متعلقاً للوجوب و الحرمة يمكن لحاظها على عدة أنحاء:
الأول: أن يلحظ فيها المجموع بما هو مجموع، على نحو يكون الواجب هو المجموع من حيث هو مجموع و المحرّم هو المجموع من حيث هو مجموع، بحيث لا يكون الفعل محرماً إلا إذا ارتكبه في جميع أيام الشهر ..
الثاني: أن يلحظ كل يوم يوم منها على نحو الاستقلال.
الثالث: أن يلحظ المجموع في طرف الوجوب و الجميع في طرف الحرمة بحيث يكون الفعل محرماً في كل يوم يوم.
فعلى النحو الأول، يكون التكليف واحداً و المتعلق واحداً، و هو المجموع بما هو مجموع، الأمر الذي يعني: أن المكلف لا يعد ممتثلًا أو عاصياً إلا بلحاظ المجموع من حيث هو مجموع، كما هو الحال في المركبات الارتباطية، فعصيان الوجوب يتحقق بترك الفعل و لو ليوم واحد، و عصيان الحرمة لا يتحقق إلا بارتكاب الفعل في جميع أيام الشهر، و على هذا، فإن فعل الشيء في يوم و تركه في يوم آخر لا يجعل من المخالفة القطعية أمراً ممكناً. أما في حالة الاتيان بالفعل ليوم واحد؛ فلأنه لا مخالفة أصلًا، لا بلحاظ الوجوب؛ لأنّ مخالفته تكون بالترك لا بالفعل كما هو واضح، و لا بلحاظ الحرمة؛ لأنّ الحرام هو الفعل في كل أيام الشهر لا في بعضه. و أما في حالة الترك ليوم واحد مثلًا؛ فلأن المخالفة إنما تكون من جهة احتمال الوجوب فقط لا من جهة احتمال الحرمة. وعليه، فالمخالفة القطعية غير ممكنة على هذا الفرض.
و أما على النحو الثاني، يكون التكليف انحلالياً، فيرجع في حقيقته بلحاظ كل يوم من أيام الشهر إلى الدوران بين الوجوب و الحرمة في واقعة واحدة، غاية الأمر، سوف يتعدد العلم الإجمالي بعدد الأيام.
و أما على النحو الثالث، فتكون المخالفة القطعية ممكنة؛ لأنه في حالة الفعل في يوم و الترك في الآخر، فقد خالف التكليف على كل تقدير. أما من جهة الترك، فلكونه قد خالف الوجوب قطعاً. و أما من جهة الفعل، فلكونه قد خالف الحرمة قطعاً؛ لأن المفروض أنّ المحرّم هو الفعل في كل يوم من أيام الشهر.
و المراد في المقام من الدوران بين الوجوب و الحرمة مع تكرر الواقعة، هو النحو الأول من الأنحاء الثلاثة المتقدمة دون النحوين الآخرين. و على هذا النحو و إن كانت المخالفة القطعية مستحيلة كما تبيّن، إلا أننا قد ذكرنا في بداية الكلام أنّ الملحوظ في كلام السيد الشهيد فيما يرتبط بإمكان المخالفة القطعية في المقام، إنما هو بلحاظ العلمين الإجماليين المتولدين من العلم الإجمالي المذكور، لا بلحاظ نفس هذا العلم بعنوانه.