البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٤١ - الجهة الأولى البرهان على استحالة التنجيز في المورد المذكور
الجهة الأولى: البرهان على استحالة التنجيز في المورد المذكور
قوله (قدس) ص ١٥٦: «إن هذا العلم الإجمالي يستحيل أن يكون منجزاً ... إلخ».
و انطلاقاً مما تقدم؛ فإن العلم الإجمالي في مورد الدوران بين المحذورين يستحيل أن يكون منجزاً لوجوب الموافقة القطعية، و كذلك لحرمة المخالفة القطعية أيضاً؛ و ذلك لأن معنى الموافقة القطعية هو الإتيان بجميع أطراف العلم الإجمالي. و طرفا العلم الإجمالي في المقام هما الفعل و الترك، أو هو الإتيان بالواقع على كل تقدير، سواء كان الواقع هو وجوب الفعل المعين أو كان الواقع هو حرمة ذلك الفعل.
و من المعلوم: أن الموافقة القطعية هنا غير ممكنة؛ لأن المكلف إما أن يأتي بالفعل و إما أن يتركه، و لا مجال لغيرهما، و لا لخلو الواقع من أحدهما.
فإن أتى بالفعل وقع في محذور المخالفة الاحتمالية؛ لاحتمال أن يكون الواقع هو الحرمة. و إن ترك الفعل وقع في محذور المخالفة الاحتمالية أيضاً؛ لاحتمال أن يكون الواقع هو الوجوب، و لا يمكنه أن يفعل و يترك في آنٍ واحد. فالموافقة القطعية غير مقدورة للمكلف، و إذا كان الأمر كذلك، فتنجيز العلم الإجمالي المذكور لوجوب
الموافقة القطعية غير ممكن، و كذلك الحال بالنسبة إلى حرمة المخالفة القطعية؛ لأن معنى المخالفة القطعية هو عدم الإتيان بالتكليف على كل تقدير، أي: سواء كان التكليف هو الوجوب أو الحرمة، و المكلف إما أن يفعل و إما أن لا يفعل. فإن كان الأول فقد امتثل التكليف على تقدير كونه الوجوب، و وقع في المخالفة على تقدير كونه الحرمة، و إن كان الثاني، فقد امتثل التكليف على تقدير كونه الحرمة، و وقع في المخالفة على تقدير كونه الوجوب، فالمخالفة القطعية ممتنعة أيضاً، فيمتنع تنجيز العلم الإجمالي المذكور لحرمة المخالفة القطعية أيضاً، فلم يبق إلا افتراض تنجيزه لأحد المحتملين دون الآخر بالخصوص، و هذا الافتراض غير معقول أيضاً؛ لأن نسبة العلم الإجمالي إلى كل من احتمال الوجوب و احتمال الحرمة على حد سواء، فتنجيز العلم لأحدهما دون الآخر يكون من الترجيح بلا مرجح.