البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٠٧ - تحقيق الحال في هذا التقريب
و لكن التحقيق يقتضي التمييز بين الاضطرارين المذكورين؛ فإن الاضطرار إلى الفعل و الاضطرار إلى الترك و إن كانا يشتركان و يتفقان في نقطة، إلا أنهما يختلفان في نقطة أخرى.
فهما يتفقان في عدم صحة توجه النهي و الزجر إلى المكلف في حالة الاضطرار إلى الفعل و الاضطرار إلى الترك، فالمكلف إذا كان مضطراً إلى شرب مائع معين، لا يصح للمولى في هذه الحالة أن ينهاه أو يزجره عن شربه. و كذلك فيما لو كان مضطراً إلى تركه لعدم قدرته على شربه؛ لأن توجه الخطاب- و الحال هذه- يكون لغواً و بلا فائدة، كما مر في بحث التكليف بغير المقدور، و إذا فرض عدم إمكان توجه النهي في الحالتين، فهذا يعني: أنه لا علم إجمالي بالنهي في الحالتين و هذا واضح.
و لكن، مع ذلك، نجد أن الاضطرار إلى الفعل يختلف عن الاضطرار إلى الترك بلحاظ مبادئ النهي، من: المفسدة، و المبغوضية، فبالنسبة إلى الاضطرار إلى الفعل، فكما أنه يكون مانعاً من تعلق النهي بالفعل، كذلك يمكن أن يفترض كونه مانعاً من وجود مبادئ النهي من المفسدة و المبغوضية فيه.
و هذا بخلاف الاضطرار إلى الترك؛ فإنه لا معنى لسقوط مبادئ الحرمة عن الفعل المضطر إلى تركه، و إن كان النهي ساقطاً.
و الوجه في ذلك: أن الاضطرار إلى الفعل سوف يحصص الفعل و يجعل الفعل
المضطر إليه حصة من وجود ذلك الفعل، و هي حصة مغايرة للحصة التي تصدر من المكلف بمحض اختياره، فهنا، كما يمكن الالتزام بسقوط النهي عن الحصة المضطر إليها من الفعل فقط مع بقاء مبادئ الحرمة من المفسدة و المبغوضية، فكذلك يمكن افتراض سقوط النهي و المبادئ معاً و اختصاص المفسدة و المبغوضية بالحصة الأخرى.
و أما الاضطرار إلى ترك الفعل، فإنه لا يحصص الفعل بحيث يجعل من الفعل المضطر إلى تركه حصة مغايرة لوجود الفعل؛ إذ لا معنى لافتراض كون عدم الفعل