البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٥٠ - تحقيق الحال في البرهان المتقدم
بقدرها [١].
و على هذا، فإذا تناول المكلف المضطر العالم إجمالًا أحد الطعامين فقط، لم يكن قد ارتكب أية مخالفة حتى على مستوى المخالفة الاحتمالية؛ لأن الطعام الذي تناوله إن لم يكن هو النجس فلا مخالفة، و إن كان هو النجس واقعاً فحرمته ساقطة بالاضطرار، فلا مخالفة أيضاً.
أما لو ارتكب كلا الطرفين بتناوله لكلا الطعامين، فقد ارتكب مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، فلا يجوز؛ و ذلك لحرمة المخالفة القطعية، و هي حاصلة فعلًا؛ لأن الطعام الذي يمكن دفع الاضطرار به، إن كان هو النجس واقعاً فقد ارتكب مخالفة له؛ لأن حرمته لم تسقط بالاضطرار في هذه الحالة؛ لأن سقوطها مشروط بعدم تناوله للطعام الآخر و قد تناوله بحسب الفرض [٢]، و إن كان النجس
واقعاً هو الطعام الآخر، فلا
[١] و قد أطلق على هذا المعنى اسم التوسط في التكليف كما جاء ذلك عن المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ٤، ص ١٠٤ حيث قال:) لا إشكال في أن الاضطرار إلى المعين يقتضي التوسط في التكليف. و أما الاضطرار إلى غير المعين ففي اقتضائه التوسط في التكليف أو التوسط في التنجيز، إشكال. و توضيح ذلك: هو أن التوسط في التكليف معناه: ثبوت التكليف الواقعي على تقدير و عدم ثبوته على تقدير آخر، بتقييد إطلاقه و تخصيصه بحال دون حال كما هو الشأن في تقييد كل إطلاق بقيد وجودي أو عدمي و التوسط في التنجيز معناه: بلوغ التكليف إلى مرتبة التنجز على تقدير و عدم بلوغه إلى تلك المرتبة على تقدير آخر، مع إطلاق التكليف الواقعي و ثبوته في كلا التقديرين بلا تصرف فيه واقعا، بل كان تنجز التكليف مقصورا بأحد التقديرين. إذا تبين ذلك فاعلم: أن الاضطرار إلى المعين يقتضي التوسط في التكليف لا محالة، و لا يمكن أن يقتضي التوسط في التنجير، فان التكليف الواقعي مقيد بعدم طرو الاضطرار إلى مخالفته، فعند الاضطرار إلى المعين لا يمكن الجزم ببقاء التكليف الواقعي، لاحتمال أن يكون المضطر إليه هو متعلق التكليف، فيوجب رفعه واقعا، فيدور التكليف الواقعي بين ثبوته على تقدير عدم كون المضطر إليه هو الموضوع للتكليف، و عدم ثبوته على تقدير أن يكون هو الموضوع»
[٢] لا يقال: إن مثل هذا التقييد و إن كان ممكناً في نفسه إلا أنه لا دليل عليه إثباتاً، وعليه لا يكون الالتزام بالمقدمات الثلاث المذكورة موجباً للالتزام بسقوط العلم الإجمالي المذكور عن المنجزية حتى بلحاظ المخالفة القطعية.
فإنه يقال: إن الكلام ليس بلحاظ مقام الإثبات و الدلالة حتى يقال بأن التقييد المذكور لا دليل عليه إثباتاً، بل المقصود أن الالتزام بالمقدمات الثلاث لا ينتج النتيجة المذكورة؛ لإمكان فرض التقييد بالنحو الذي ذكرناه، و هذا يعني إن ما ذكر لا يصلح لأن يكون برهاناً على جواز المخالفة القطعية.