البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣١٩ - النحو الرابع كون العلم الساري إلى الفرد تعبدياً
الشرعي بدليل الحجية إنما هو نجاسة الإناء (أ) و ليس هو الانحلال؛ و ذلك لأن الانحلال على القول بحصوله إنما هو نتيجة التعبد بنجاسة الإناء (أ)، فهو تعبد بعلة الانحلال لا بنفس الانحلال، و التعبد بالعلة لا يساوق التعبد بمعلولها.
ثانياً: إنه حتى لو سلمنا حصول التعبد بالانحلال بدليل الحجية و لو من باب أن التعبد بالعلة يساوق التعبد بمعلولها، إلا أن هذا التعبد لا أثر له؛ و ذلك لأنه لا يخلو الحال في المراد منه من أحد أمرين:
الأول: التأمين من ناحية الفرد الآخر و هو الإناء (ب) الذي يكون طرفاً في العلم الإجمالي من دون حاجة إلى إجراء أصل مؤمن فيه.
الثاني: التأمين من ناحية الفرد الآخر و هو الإناء (ب) بالتمكن من إجراء الأصل المؤمن فيه.
و الأمر الأول ليس صحيحاً؛ و ذلك لأن التأمين عن كل شبهة حتى البدوية منها بحاجة إلى جريان الأصل المؤمن فيها.
و الأمر الثاني و إن كان أثراً معقولًا في نفسه إلا أنه ليس أثراً للتعبد بالانحلال؛ لأنه حاصل بدون الحاجة إلى التعبد بالانحلال؛ لأن التمكن من جريان الأصل
المؤمن في الإناء (ب) يكفي فيه نفس قيام الأمارة الحجة على نجاسة الإناء (أ) و تنجزه بسببها؛ لأن المانع من جريان الأصل المؤمن في الإناء (ب) هو عبارة عن حصول التعارض بينه و بين الأصل الجاري في الإناء (أ)، و هذا يعني: أن ملاك جريانه هو زوال المعارضة، و بعد قيام الأمارة الحجة على نجاسة الإناء (أ) و تنجزه بسببها، فسوف يخرج موردها الذي هو الإناء (أ) عن كونه مورداً للأصل المؤمن، فيجري الأصل المؤمن في الإناء (ب) بلا معارض من دون حاجة إلى ما يسمى بالتعبد بالانحلال [١].
[١] يمكن أن يقال: إنّ المشكلة إذا كانت في نفس اصطلاح ما يعرف بالانحلال التعبدي من حيث هو، كان للمناقشة المذكورة ما يبررها، و أما إذا تجاوزنا الاصطلاح المذكور، و قلنا إنه لا مشاحة في الاصطلاح، و نظرنا إلى الأثر المترتب على القول بحصول الانحلال التعبدي في المورد المذكور، و الذي هو عبارة عن سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية، و بالتالي، جريان الأصل المؤمن في الطرف الآخر بلا معارض، فلا جدوى مما ذكر في المناقشة.
و الوجه في ذلك: أنّ النتيجة على كلا الحالين سوف تكون واحدة، سواء عبرنا عن ذلك بالانحلال التعبدي و آمنّا به أم لا؛ و ذلك لأنّ المناط إنما هو في تنجز أحد طرفي العلم الإجمالي و خروجه بذلك عن كونه مورداً في نفسه لجريان الأصل المؤمن، الأمر الذي يؤدي إلى جريان الأصل في الطرف الآخر بلا معارض. و يكون التعبير بالانحلال التعبدي حينئذ للإشارة إلى تنجز الفرد بسبب قيام الحجة الشرعية عليه، في مقابل تنجزه بسبب العلم التفصيلي بالفرد، و الذي يعرف بالانحلال الحقيقي.
لا يقال: إنّ الثمرة تظهر على القول بالعلية و أن المانع من جريان الأصول المؤمنة إنما هو العلم الإجمالي بذاته، و في حال انحلاله سوف يزول ذلك المانع و يسقط العلم الإجمالي عن المنجزية في هذه الحالة، و هذا بخلاف القول بعدم الانحلال فإنّ العلم الإجمالي يبقى على المنجزية و إن تنجزت بعض أطرافه بأمارة أو أصل مثبت للتكليف.
فإنه يقال: إن القائل بعلية العلم الإجمالي يشترط في تنجيزه صلاحية ذلك العلم لتنجيز معلومه على كل تقدير و في حال قيام الأمارة على التكليف في أحد الطرفين سوف يسقط العلم الإجمالي عن المنجزية و ذلك لعدم صلاحيته لتنجيز الطرف الذي قامت الأمارة على ثبوت التكليف فيه؛ لأن المنجز لا يتنجز مرة أخرى.