البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٣٩ - الاعتراض على هذا التقريب
فعلى الأول يكون كل منها مورداً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأن كلًا منهما بهذا اللحاظ و بهذا النظر لم يتم عليه البيان، بل هو مشكوك، فتجري البراءة العقلية عن خصوصية كون الصلاة ظهراً و عن خصوصية كونها جمعة [١].
و على الثاني يكون كل منهما خارجاً عن مورد البراءة العقلية، فيتنجز، و لكن بمقدار إضافته إلى الجامع لا مطلقاً؛ لأن هذا الجامع هو الذي تم عليه البيان.
و من الواضح أن وجوب صلاة الظهر بما هو مضاف إلى الجامع، و وجوب صلاة الجمعة بما هو مضاف إلى الجامع، ليس سوى وجوب الصلاة و بقطع النظر عن كونها ظهراً أو جمعة، أي: أنّ الواجب إحداهما. و هذا يعني: أن الذي يتنجز ليس سوى الجامع، و هو لا يقتضي إلا الاتيان بأحد طرفي العلم الإجمالي، فتكون النتيجة على هذا
[١] يمكن أن يقال: إنه بعد فرض تنجز الجامع و وجوب إيجاده، فهذا يعني تنجز إحدى الخصوصيتين؛ فإنّ الجامع لا يمكن إيجاده إلا بإحدى الخصوصيتين، لأنّ الجامع لا وجود له إلا بوجود أحد أفراده كما هو واضح. وعليه، فجريان البراءة عن كلتا الخصوصيتين مناقض لمنجزية العلم الإجمالي لإحداهما تبعاً لمنجزيته للجامع الذي لا يمكن إيجاده إلا بإحداهما كما هو واضح.
نعم، لو كان للجامع وجود منحاز غير وجود أفراده، لكان التبعيض صحيحاً، و لكن، لا وجود للجامع إلا بوجود أحد أفراده.
لا يقال: إنّ الهدف من جريان البراءة العقلية عن كلتا الخصوصيتين ليس هو إلغاء الجامع، و إنما هو جعل المكلف مختاراً في اتيان الجامع بهذه الخصوصية أو تلك.
فإنه يقال: إنّ هذا التخيير حاصل بنفس منجزية الجامع بما هو جامع و عدم منجزية غيره، و لا يحتاج في اثباته إلى جريان البراءة عن الخصوصيتين.
ثم أنه لا ينبغي لأحد أن يتوهم هنا و يقول بأن منجزية العلم الإجمالي حيث كانت معلقة على عدم الترخيص، فمعه لا مانع من الترخيص في الطرفين بمقتضى البراءة العقلية، و إن أدّى ذلك إلى مخالفة الجامع المعلوم.
فإن مثل هذا التوهم باطل في المقام؛ و ذلك لأن الترخيص الذي فرض أنّ المنجزية معلقة على عدمه، و الذي لا ينافي العلم بالجامع، إنما هو خصوص الترخيص الشرعي المعبّر عن الحكم الظاهري المجعول بملاك التزاحم الحفظي و ترجيح الأغراض الترخيصية على الأغراض اللزومية، لا الترخيص العقلي المستند إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان.