البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٥ - المقام الثاني الاحتياط في العبادات خاصّة
فإن قيل: إن الأمر بالاحتياط توصلي لأنه لأجل التوصّل به إلى الواقع المشكوك، و لم ينشأ من ملاك نفسي، بل هو طريقي، و من الواضح أن الواجب التوصلي لا يتوقف الإتيان به على قصد امتثال الأمر، و هذا ينافي ما تقدم من قصد امتثال الأمر بالاحتياط.
كان الجواب: إن ضرورة قصد امتثال الأمر بالاحتياط ليس من جهة عباديّة نفس الأمر بالاحتياط، و لا ندّعي ذلك، و ليس المقصود أن نأتي بمتعلّق الأمر بالاحتياط الذي هو نفس الاحتياط بقصد أمره، بل أن قصد امتثال أمره إنما نشأ في العبادات من ناحية كون ما يحتاط بشأنه من الأمور العباديّة، و إلا، لو كان ما يحتاط بشأنه من الأمور التوصليّة لما اشترطنا قصد أمره، بل لا حاجة إلى ذلك أصلًا.
و لكن الصحيح: عدم الحاجة إلى مثل هذا الجواب؛ لأنه مبني على أن الفعل لا
يقع عبادة إلا إذا قصد امتثال أمره الجزمي أو أمر ثانوي جزمي منطبق على تلك العبادة كالأمر بالاحتياط، و أما لو قلنا- و كما هو الصحيح فقهياً- بأنه يكفي مطلق الداعي القربي، و التحرّك و الانبعاث عن احتمال الأمر داعٍ قربي كالتحرّك عن الأمر المعلوم، فلا موجب لتوقّف وقوع الفعل عبادة على أن يكون هناك أمر معلوم، بل يكفي الإتيان به لداعٍ قربي رجاءً لمطلوبيّته، و مجرّد احتمال الأمر يحقق ذلك، فلا حاجة إلى تبعيد المسافة [١].
[١] هذا ما ذهب إليه المحقق العراقي كما جاء عنه في المقالات حيث قال:) بقي الكلام خاتمة للمرام في جهة إشكال معروف في جريان الاحتياط في العبادات- بناء على احتياج العبادة إلى دعوة أمر جزمي في مقام التقرب بها و إلا، فبناء على الاكتفاء في التقرب بها بمجرد إتيانها بداعي أمرها المحتمل رجاءً فلا إشكال فيه؛ لإمكان ذلك فيها و لو لم يكن الاحتياط فيها راجحاً عقلًا فضلًا عن رجحانه شرعاً». راجع: مقالات الأصول، ج ٢، ص ٢١٠.