البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٠٠ - مناقشة الوجه الأول
ملاكات الأحكام الواقعية الإلزامية و رجحانها، فهذا باطل أيضاً؛ لأن الأمر الاستحبابي بالاحتياط لمّا كان حكماً ظاهرياً، فهو يكشف عن مدى اهتمام المولى بأغراضه اللزومية و ترجيحها بدرجة ما على الأغراض الترخيصية بالنحو المناسب للاستحباب، فتتأكد بذلك المحركيّة التي كان يقتضيها حسن الاحتياط عقلًا في مقابل إبراز نفي هذا الاهتمام و إظهار اهتمام المولى بأغراضه الترخيصيّة.
و من المعلوم: أن الواقع المشكوك تكون درجة محرّكيته تابعة لمدى اهتمام المولى به، فكلما كانت درجة اهتمامه أشد، كانت محركيته أقوى [١].
[١] إن قلت: إنّ هذا الكلام إنما يكون تاماً و صحيحاً فيما لو فرض عدم اهتمام الشارع باغراضه الترخيصية و ترجيحها على أغراضه اللزومية، فإنه يمكن في هذه الحالة افتراض اهتمامه بأغراضه اللزومية أكثر من اهتمامه باغراضه الترخيصية بالدرجة المناسبة لاستحباب الاحتياط، و أما لو فرض اهتمام الشارع باغراضه الترخيصية أكثر من اهتمامه بأغراضه اللزومية كما هو مقتضى أدلة البراءة الشرعية، فكيف يفترض معه جعل الاحتياط و لو استحباباً المعبر عن اهتمامه بقدر ما بأغراضه اللزومية الواقعية على الأغراض الترخيصية؟
كان الجواب: إنه لا منافاة بين ابراز اهتمام الشارع بأغراضه الترخيصية على أغراضه اللزومية، و بين إبراز اهتمامه بأغراضه اللزومية بالدرجة المناسبة للاستحباب، فالدرجة من الاهتمام بالأغراض اللزومية التي ينافيها اهتمامه بأغراضه الترخيصية، إنما هي درجة الاهتمام بالنحو الذي لا يرضى الشارع بتفويتها بأي حال من الأحوال، و هو ما يعبر عنه جعل الشارع لوجوب الاحتياط، و أما افتراض درجة معينة من الاهتمام بأغراضه اللزومية بالنحو الذي لا يمنع الشارع من تضييعها و تفويتها، فهي لا تنافي اهتمامه بأغراضه الترخيصية كما هو واضح.
و بعبارة أخرى: إن المنافي للبراءة المعبرة عن اهتمام الشارع بأغراضه الترخيصية و ترجيحها على أغراضه اللزومية، هو إيجاب الاحتياط المعبر عن اهتمامه بأغراضه اللزومية بدرجة لا يرضى بفواتها و ضياعها، و ليس استحباب الاحتياط المعبر عن درجة من الاهتمام بأغراضه اللزومية بالنحو الذي يرضى معه الشارع بتفويتها و تضييعها.
فلو كانت البراءة الشرعية منافية لتلك الدرجة من الاهتمام بالأغراض اللزومية التي يكشف عنها استحباب الاحتياط، لكانت منافية أصلًا لنفس الأغراض اللزومية التي نشأت منها تلك الأحكام؛ فإن أصل اهتمام المولى بها مما لا يمكن إنكاره، و إلا، لما كانت مقتضية في نفسها لجعل الأحكام اللزومية على طبقها.
فترجيح الأغراض الترخيصية على الأغراض اللزومية، المعبر عن عدم اهتمام المولى بالأغراض اللزومية، ينبغي أن يوضع بحدود التزاحم الحفظي، و كون لزوم حفظ أحد الغرضين مقتضياً للتضحية بالآخر.