البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٤ - القول باستحباب الاحتياط شرعاً
الاحتياط ثبوتاً، فالاحتياط ما دام حسناً يصح و لو مع وجود الحجة المعتبرة شرعاً على التكليف وجوداً و عدماً.
القول باستحباب الاحتياط شرعاً:
ذهب مشهور الأصوليين إلى حسن الاحتياط عقلًا من دون فرق بين العبادات و المعاملات [١]- إلا ما كان منه مخلًا بالنظام العام، أو كان قد وصل إلى حد العسر و الحرج أو الوسواس [٢]- و استحبابه شرعاً، تمسكاً بالأخبار التي استدل بها الأخباري على وجوب الاحتياط، فإنها لا إشكال في دلالتها على أصل الرجحان و الاستحباب في نفسها، أو بعد الجمع بينها و بين أدلة البراءة [٣].
[١] قال المحقق الخراساني في كفايته، ص ٣٩٨:) الثاني: أنه لا شبهة في حسن الاحتياط شرعاً و عقلًا في الشبهة الوجوبية و التحريمية في العبادات و غيرها، كما لا ينبغي الارتياب في استحقاق الثواب فيما إذا احتاط و أتى أو ترك بداعي احتمال الأمر أو النهي»
[٢] و إن كان الحكم فيها هو البراءة فالعقل يحكم بحسن الإتيان فيما شك في وجوبه، و إنه مطلوب للمولى، و بحسن الاجتناب عما شك في إنه مبغوض للمولى، سواء كانت الشبهة موضوعية أو حكمية، بل الاحتياط حسن حتى لو قامت الأمارة المعتبرة على عدم التكليف في الواقع، إذ لا نقصد من حكم الشارع بالبراءة هو الإلزام في تطبيق البراءة على المورد؛ لأن البراءة معناها التوسعة و عدم استحقاق العقاب عند مخالفة الواقع و إيجاد موقف للمكلّف في تبعة الواقع و عقوباته، و هذا لا يمنع من اجتناب ما يحتمل حرمته إحرازاً للواقع، أو الإتيان بما يحتمل مطلوبيته للمولى إحرازاً للواقع، إلا أن يلزم منه محذور أو إشكال آخر، كما قد يقال به في الواجب العبادي لدخوله في التشريع المحرّم؛ باعتبار أن الإطاعة تتوقف على وجود أمر، و سيأتي توضيح ذلك مفصلًا في المقام الثاني إن شاء الله تعالى
[٣] إن قلت: إنّ الأدلة التي ساقها الأخباري لإثبات وجوب الاحتياط، إن كانت تامة الدلالة على ذلك فستكون دليلًا على وجوب الاحتياط لا استحبابه، و إن لم تكن دلالتها حجة في ذلك، بسبب معارضتها لما دلّ على البراءة الشرعية و تقديمها عليها، فلا يمكن الاستناد إليها لاثبات استحباب الاحتياط، لسقوطها عن الحجية بالمعارضة.
كان الجواب: إنّ أدلة وجوب الاحتياط و إن قلنا بسقوطها عن الحجية نتيجة لمعارضتها لأدلة البراءة الشرعية و تقديمها عليها، إلا أنّ ذلك يكون في خصوص المقدار الذي يتعارض منها مع أدلة البراءة، و ليس هو في المقام إلا وجوب الاحتياط، لا أصل مطلوبيته شرعاً؛ إذ لا منافاة بين حكم الشارع بالبراءة في مورد الشبهات الحكمية و بين حكمه باستحباب الاحتياط فيها، فعدم الالتزام بدلالتها على الوجوب لمانع في البين و هو معارضتها لما دلّ على البراءة، لا يمنع من الالتزام بدلالتها على الاستحباب مع عدم المعارض لها في حدود هذا المقدار، فالذي يسقط من الدليل بسبب المعارضة إنما هو خصوص المقدار الذي يوجب المعارضة لا أصل الدليل، فيؤخذ من دلالته بالمقدار الذي ليس له معارض فيها، و بهذا تصلح الأدلة التي ساقها الأخباري لاثبات استحباب الاحتياط بعد التسليم بتمامية دلالتها على أصل مطلوبيته شرعاً و تماميتها سنداً.