البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٨٦ - تحديد مفاد البراءة الشرعية و الضابط في جريانها
فتحصل من ذلك إن الشك تارة يكون من الشك في التكليف، و أخرى يكون من الشك في الامتثال، أي: الشك في المكلف به. و الأول مجرى للبراءة الشرعية،
و الثاني مجرى لأصالة الاشتغال.
و من المعلوم: أن الشك في التكليف غير الشك في المكلف به، و كل منهما موضوع لأصل هو غير الآخر.
و هذا النحو من التمييز بين هذين النحوين من الشك موضوعاً و حكماً، يكون واضحاً على مسلكنا المتقدم، القائل بأن الامتثال و العصيان ليسا من مسقطات التكليف بالنحو الذي يشكل عدمهما قيداً في فعلية التكليف، بل هما من أسباب انتهاء فاعلية التكليف و محركيته، و قد تقدم التفريق بين فعلية التكليف و فاعلية التكليف عند البحث عن مسقطات الحكم في الحلقة الثانية، و عند البحث في ما يعرف بالاضطرار بسوء الاختيار في هذه الحلقة.
و بناءً على هذا المسلك، لا يكون الشك في الامتثال موجباً لحصول الشك في فعلية التكليف؛ إذ لا دخل للامتثال في ذلك أصلًا، و معه، فلا موضوع لدليل البراءة في حالة الشك في الامتثال.
و أما إذا قيل بأن الامتثال من مسقطات التكليف بالنحو الذي يفترض معه أن فعلية كل تكليف منوطة ببقائها بعدم امتثال ذلك التكليف بحيث تسقط فعليته بالامتثال، حال الامتثال في ذلك حال أي شيء آخر أخذ وجوده أو عدمه قيداً في التكليف، فلا محالة سوف يكون الشك في الامتثال موجباً لحصول الشك في التكليف، و هنا، قد يتوهم تحقق موضوع البراءة الشرعية، و هو الشك في التكليف، و إطلاق أدلتها لمثل الشك الناشئ من ناحية الامتثال، و حينئذٍ، فلا بد من التخلص من ذلك و إخراج موارد الشك في الامتثال من موضوع دليل البراءة الشرعية [١]، إما
عن طريق دعوى انصراف أدلة البراءة
[١] إن قلت: إذا كان الشك في الامتثال موجباً على هذا المسلك لحصول الشك في التكليف، فلما ذا لا نلتزم بجريان البراءة الشرعية في تلك الموارد بدلًا من القول بأنه لا بد من التخلص عن ذلك، و إخراج تلك الموارد عن موضوع دليل البراءة الشرعية؟
كان الجواب: إنه لا إشكال و لا خلاف بين الأصوليين من الناحية العملية في كون الشك في الامتثال مورداً لأصالة الاشتغال، من باب أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني، و ليس مورداً لجريان البراءة الشرعية، و لأجل ذلك كان لا بد من إخراج المورد المذكور عن كونه موضوعاً لدليل البراءة الشرعية.