البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٧ - الثالثة عند التعارض يكون التقديم لصالح دليل البراءة
و في المقام يوجد ما يوجب ترجيح دليل البراءة على دليل الاحتياط، فإن كان هو الآية القرآنية فهي المرجحة على دليل الاحتياط؛ لأن الدليل القرآني يقدم على غيره لأنه قطعي الصدور، و أما أدلة الاحتياط، فهي أخبار آحاد، فتكون حجيتها مشروطة بعدم مخالفة مضمونها لدليل قطعي فتسقط عن الحجية.
و إن كان دليل البراءة هو حديث الرفع فهو المرجح أيضاً؛ و ذلك لكونه موافقاً في مضمونه لإطلاق الدليل القرآني، بينما دليل الاحتياط معارض له، و من الواضح أن موافقة الكتاب و مخالفته من المرجحات في باب التعارض، فيقدم الدليل الموافق للكتاب، و يطرح الدليل المخالف له.
و بناءً على ما تقدم، تكون النتيجة لصالح دليل البراءة عند التعارض.
و أما لو تنزلنا عن ذلك، و قلنا بأن الحكم في المتعارضين هو التساقط؛ بناءً على
القول بعدم تمامية روايات الترجيح، أو عدم وجود المرجح بناءً على القول بتماميتها، فيلزم من ذلك سقوط كل من دليل البراءة و دليل الاحتياط، و عندها يكون الرجوع إما إلى البراءة العقلية المستفادة من قاعدة قبح العقاب بلا بيان كما عليه المشهور، أو الرجوع إلى الأصل العملي الشرعي المتمثل بدليل الاستصحاب الذي تقدم بيانه سابقاً، حيث أنه ينتج نفس النتيجة التي نترقبها من البراءة [١].
[١] لا يقال: إن دليل الاستصحاب يخصص بدليل وجوب الاحتياط، بدعوى: إن دليل الاستصحاب أعم من دليل الاحتياط؛ لكونه شاملًا للشبهة الحكمية و الموضوعية، و أما دليل الاحتياط فهو مختص بالشبهة الحكمية كما تقدم. و مع تخصيصه يكون دليل الاستصحاب مثبتاً للبراءة في خصوص الشبهة الموضوعية، و هذا خارج عن موضوع النزاع بين الأصولي و الأخباري.
فإنه يقال: إنه في حالة وجود عموم فوقاني و الذي هو المقام عبارة عن دليل الاستصحاب، و كان هناك مخصص لذلك العموم، ثم تعارض مع مخصص آخر، سقط المخصص مع معارضه و رجع إلى ذلك العموم الفوقاني، و ما نحن فيه في المقام من هذا القبيل؛ حيث أن دليل وجوب الاحتياط الذي فرض كونه مخصصاً لدليل الاستصحاب قد تعارض بحسب الفرض مع دليل البراءة، فيسقط كل منهما و يرجع إلى دليل الاستصحاب.
و السر في ذلك: أن المخصص لا بد أن يكون حجة حتى يصلح لتخصيص العام به، لأنّ ظهور العام في العموم حجة و لا ترفع اليد عنه إلا بحجة، و من الواضح أن حجية الخاص مشروطة بعدم وجود معارض له، فإذا وجد ذلك المعارض، سقط عن الحجية هو مع معارضه، و معه، فلا تصل النوبة إلى التخصيص.