البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٥ - الثالثة عند التعارض يكون التقديم لصالح دليل البراءة
تخصيصاً أو تقييداً؛ باعتبار أن التعارض بينهما من التعارض غير المستقر؛ لأنّ النسبة بين الدليلين هي العموم و الخصوص المطلق و التي هي من موارد الجمع العرفي.
فإننا لو نظرنا إلى أدلة البراءة الشرعية من القرآن الكريم و هو قوله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها)، و من السنة و هو حديث: «رفع ما لا يعلمون»، لوجدنا أن النسبة بينهما هي نسبة العموم و الخصوص المطلق؛ لأن استفادة البراءة من الآية القرآنية هو من باب التمسك بالإطلاق في اسم الموصول لشموله للتكليف، إضافة إلى كونه وارداً في المال و الفعل، فهي شاملة للتكليف و المال و الفعل، و أما أدلة وجوب الاحتياط فهي مختصة بالتكليف؛ لأن مفادها وجوب الاحتياط تجاه التكليف المشكوك، فيقيد مفاد الآية بدليل الاحتياط، و يجمع بينهما جمعاً عرفياً عند تعارض المطلق و المقيد أو العام و الخاص، فيكون مفاد الآية الاختصاص بمورد المال و الفعل دون التكليف.
و أما بالنسبة لحديث الرفع، فأيضاً النسبة بينه و بين أدلة وجوب الاحتياط هي
نسبة العموم و الخصوص المطلق؛ لأن حديث الرفع أعم مطلقاً من دليل الاحتياط؛ و ذلك لأن حديث الرفع شامل للشبهة الموضوعية و الحكمية معاً، و أما دليل الاحتياط فهو مختص بالشبهة الحكمية و لا شمول له للشبهة الموضوعية؛ إذ لم يدّع الأخباري وجوب الاحتياط في الشبهات الموضوعية، وعليه، يقدم دليل الاحتياط على دليل البراءة بالتخصيص بعد فرض كونه أخص من حديث الرفع.
و هذا الكلام غير تام؛ لأن النسبة بينهما ليست نسبة العموم و الخصوص المطلق بل العموم و الخصوص من وجه، و بعبارة أخرى: إن التعارض بينهما ليس من التعارض غير المستقر حتى يجمع بينهما جمعاً عرفياً بتقديم دليل الاحتياط عليها، بل التعارض بينهما من التعارض المستقر، فلا بد حينئذ إما القول بالرجوع إلى روايات الترجيح على تقدير تماميتها، أو القول بالتساقط، و على كلا التقديرين تكون النتيجة لصالح القول بالبراءة الشرعية.