البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٦٧ - التعويض عن البراءة الشرعية بالاستصحاب
لفعلية موضوعه و تحقق شروطه و قيوده خارجاً، و حيث لم يتحقق الشرط و القيد، فلا مجعول حتى لو كان الجعل ثابتاً في الواقع و لكنه بحسب الفرض غير معلوم، فيوجد يقين بعدم فعلية المجعول بقطع النظر عن ثبوت الجعل و عدمه في الواقع و نفس الأمر، فعند تحقق الشرط، سوف يحصل الشك في تحقق المجعول، فيستصحب عدمه الثابت قبل ذلك.
و ليس مقصودنا من هذا أن القطع بعدم فعلية المجعول قبل تحقق الشرط قد نشأ من مجرد عدم تحقق الشرط، و أن الجعل ثابت؛ فإن هذا غير معقول؛ لأنه بعد تحقق الشرط بحسب هذا الفرض لا شك في الفعلية حتى يستصحب عدمها، بل الفعلية متيقنة بعد تحقق الشرط.
بل المقصود أن الجعل أيضاً مشكوك، و لكن، لا حالة سابقة متيقنة له، فلم يكن الاستصحاب بلحاظ الجعل، بل المتيقن سابقاً هو عدم فعلية المجعول؛ لعدم تحقق الشرط، سواء كان الجعل ثابتاً في الواقع و لم نعلم به، أو لم يكن ثابتاً أصلًا.
و بعد تحقق الشرط خارجاً يشك في فعلية المجعول و ثبوته في حقه، و منشأ الشك هنا هو الشك في الجعل و عدم العلم به. و منشأ القطع بعدم فعلية المجعول سابقاً هو عدم تحقق الشرط حتى لو كان الجعل ثابتاً في الواقع، فعلى كل تقدير لا مجعول فيستصحب عدمه حتى بعد تحقق الشرط [١].
[١] هذا الكلام المتقدم في الوجه الثالث إنما هو بناءً على أن تكون العبارة الواردة في الكتاب كالآتي:) كما إذا كان التكليف مشروطاً و تحقق الشرط بعد البلوغ»، و أما بناءً على ما ذكر في بعض نسخ الحلقة و هو:) كما لو كان التكليف مشروطاً و شك في تحقق الشرط بعد البلوغ»، فسوف يختلف الأمر؛ حيث أن استصحاب عدم المجعول بناءً على العبارة الثانية و بلحاظ زمان البلوغ ينسجم حتى مع العلم بالجعل أيضاً؛ لأن المجعول لم يكن ثابتاً سابقاً لافتراض عدم تحقق شرطه سابقاً، فنقطع بعدم الفعلية، (أي: عدم المجعول)، و الآن، حيث نشك في تحقق الشرط، فانه يؤدي إلى الشك في الفعلية، (أي: المجعول) فنستصحب عدمه الثابت سابقاً.
و العبارة بهذا المعنى و إن لم يكن فيها محذور من الناحية العلمية، إلا أنها لم تكن مرادة للسيد الشهيد، بل مراده استصحاب عدم المجعول عند الشك في الجعل؛ لأن عدم المجعول ثابت حتى على تقدير وجود الجعل؛ و ذلك لعدم تحقق شرطه، و الآن، حيث نشك في التكليف بمعنى: الجعل، فبمجرد العلم بتحقق الشرط لا يؤدي إلى العلم بفعلية المجعول، بل يبقى المجعول مشكوكاً؛ لأن العلم بفعلية المجعول تتوقف على العلم بمجموع أمرين:
الأول: العلم بتحقق الموضوع و ما أخذ فيه من قيود و شروط خارجاً.
الثاني: العلم بالجعل.
و في المقام نحن نشك في الجعل، فيبقى المجعول مشكوكاً، فيستصحب عدمه الثابت قبل ذلك، و إنما لا يمكننا استصحاب عدم الجعل عند الشك فيه لأجل عدم العلم بوجود حالة سابقة له، بخلاف المجعول، فإن له حالة سابقة و هي العدم الثابت حتى على تقدير وجود جعل في المقام.
و مما يؤيد أن مراد السيد الشهيد هو ما ينسجم مع العبارة الأولى دون الثانية أمران:
الأول: إنه جاء عنه في بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ٦٧ ما نصه:) استصحاب عدم التكليف الثابت قبل تحقق موضوع التكليف المشكوك أو قيوده»، و ما نلاحظه هنا، هو أنه قد جعل المستصحب عبارة عن عدم التكليف، فلو كان المراد ما تضمنته العبارة الثانية، لكان الأولى أن يقول:) استصحاب عدم الشرط الثابت قبل ذلك» و إن كان إسناد الاستصحاب إلى عدم التكليف بلحاظ عدم شرطه صحيحاً أيضاً.
الثاني: إن الاستصحاب جعل عوضاً عن أدلة البراءة عموماً. و من المعلوم: أن أدلة البراءة يراد بها إثبات الموقف العملي تجاه التكليف المشكوك الناشئ من عدم الوصول، و إن كان الشك في التكليف الناشئ من الشك في الموضوعات الخارجية داخلًا في البحث، و لكن المهم هو إثبات البراءة في الشبهات الحكمية الناشئة من عدم وصول الجعل، و هذا يؤيد أن تكون العبارة الأولى هي الصحيحة؛ لأنها هي المنسجمة مع الشك في التكليف الناشئ من الشك في الجعل الناتج من عدم الوصول.
الثالث: بقرينة ما تقدم من استصحاب عدم المجعول الثابت قبل البلوغ؛ إذ لم يكن في السابق الشك في الشرط (أي: البلوغ) هل تحقق أم لا، بل صرح السيد الشهيد بأن الشك في فعلية المجعول في زمان البلوغ لأجل عدم وصول الجعل، فيكون مراده هو ما ينسجم مع العبارة الأولى لا الثانية.
و الفرق بين الوجهين، إن الشرط في المورد الثاني هو البلوغ، و في المورد الثالث هو أمر آخر غير البلوغ، و الاتيان بالمورد الثالث إنما هو لأجل التنبيه إلى أنّ الاستصحاب كما يمكن فرض جريانه بلحاظ ما قبل البلوغ كذلك يمكن فرض جريانه بلحاظ ما بعد البلوغ، فلا تكرار في البين.
و على كل حال، فالشك في التكليف في الجميع ناشئ من عدم وصول التكليف. نعم، استصحب في الأول عدم الجعل لأن له حالة سابقة، و أما في الأخيرين فليس له حالة سابقة؛ إذ عدم وصول الجعل لا يعني عدم وجوده، فلا يكون عدمه متيقناً، فلا تتم فيه أركان الاستصحاب، و إنما تتم بلحاظ المجعول لأن له حالة سابقة لليقين بعدم تحقق المجعول؛ و ذلك لعدم تحقق الشرط، سواء كان الشرط هو البلوغ كما في اللحاظ الثاني، أو كان شيئاً آخر كما في اللحاظ الثالث.
لا يقال: إذا كان الجعل مشكوكاً لأجل عدم وصوله إلينا فكيف عرفنا أن التكليف مشروط بشرط؟
فإنه يقال: إن الشروط على قسمين:
الأول: شروط تؤخذ في التكليف من قبل نفس الشارع، بحيث إذا لم يتصد الشارع لأخذها لما أمكن معرفتها.
و مثل هذه الشروط لا يمكن العلم بها إلا بعد العلم بالجعل و معرفة كونها قد أخذت فيه.
الثاني: شروط يحكم بها العقل و لا تؤخذ من قبل الشارع، من قبيل: القدرة و العقل و غيرهما.
و هذه الشروط لا تتوقف معرفتها على العلم بالجعل، بل العقل يحكم باشتراط التكليف بهذه الشروط بمجرد افتراض و احتمال أن يكون هناك جعل على هذا التكليف. و ذلك كشرطية القدرة في التكليف؛ فإن العقل يحكم باشتراط التكليف بالقدرة بقطع النظر عن العلم بجعل الشارع للتكليف في مورد معيّن؛ و ذلك لاستحالة التكليف بغير المقدور.
و في المقام نفترض أن شرط التكليف هو القدرة، و لم يكن المكلّف قادراً قبل هذا الوقت، و لكنه الآن قادر، فتحقق ما هو شرط في التكليف، فيستصحب عدم المجعول الثابت قبل هذا الوقت؛ لأنه حتى لو افترضنا أن هناك جعلًا فهو ليس فعلياً في ذلك الوقت لعدم القدرة على متعلقه، فعدم الفعلية ثابت على كل تقدير، فنستصحبه حتى مع العلم بتحقق القدرة في هذا الظرف؛ لأن مجرد كون المكلّف قادراً على شيء لا يجعل التكليف فعلياً في حقه ما لم يعلم بالجعل.
ثم إنه لو تجاوزنا ذلك، فإن من الشروط ما لا يكون مختصاً بتكليف دون آخر، بل هي شروط في كل التكاليف، و يطلق عليها اسم (الشروط العامة) سواء كانت عقلية أو شرعية، و مثل هذه الشروط إن كانت شرعية و إن كان لا بد من بيانها من قبل الشارع إلا أنه إذا فرض بيانها بنحو كلي و بدليل منفصل و بقطع النظر عن هذا التكليف أو ذاك، فحينئذ، لا يتوقف اشتراط تكليف معيّن بها على العلم بجعل ذلك التكليف، بل حتى مع احتماله نعلم باشتراطه بمثل هذه الشروط من دون فرق بين كون الشروط مما يحكم بها العقل أو أنها تؤخذ من قبل الشارع.