البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٣ - المقام الثاني النسبة بين الآية و بين أدلة وجوب الاحتياط لو تمت
يتقون)، فإن فيه احتمالين:
الأول: أن يراد به ما يتقى به بعنوانه الأولي، و هو مختص ببيان الحكم الواقعي، أي: يبين لهم الواقع لكي يتقوا به، فتكون الغاية لنفي الضلال في الآية عبارة عن بيان الواقع خاصة، فينحصر الضلال على هذا المعنى بمخالفة الأحكام الواقعية، و يكون معنى الآية: أن الله سبحانه و تعالى لا يضل قوماً حتى يبين لهم الحكم الواقعي. فمع عدم بيان الحكم الواقعي لا ضلال و لا إضلال و هو معنى البراءة الشرعية.
فالبراءة المستفادة من هذه الآية بناءً على إرادة هذا المعنى تكون منوطة بعدم البيان على الحكم الواقعي و عدم وصوله إلى المكلف، وعليه، تكون الآية نافية لإيجاب الاحتياط؛ لأن إيجاب الاحتياط ليس بياناً للواقع و إنما هو حكم ظاهري
الهدف منه تنجيز الأحكام الواقعية المشكوكة على تقدير ثبوتها.
الثاني: أن يراد به ما يتقى به و لو بالعنوان الثانوي، أي: بعنوان كونه مشكوك الحكم الواقعي، فالغاية لنفي الضلال بناءً على ذلك عبارة عن عدم البيان مطلقاً، الأعم من عدم بيان الحكم الواقعي و من عدم بيان الحكم الظاهري، فتكون غاية عدم تسجيلهم ضالين أو منحرفين هي عدم المخالفة و لو كانت احتمالية، فالمخالفة الاحتمالية- كمخالفة الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط- بناءً على ذلك تكفي في تسجيلهم ضالين و منحرفين؛ لأنهم خالفوا بحسب الفرض ما قد بين لهم، فعلى هذا الاحتمال يكون دليل وجوب الاحتياط وارداً على دليل البراءة المستفادة من الآية الكريمة؛ لأنه بيان لما يتقى به بحسب الفرض، فيحقق الغاية لنفي الضلال و ينتفي المغيّى الذي هو عبارة عن نفي الضلال، فيثبت الضلال لأن نفي النفي إثبات كما هو واضح، و ثبوت الضلال عبارة أخرى عن عدم البراءة، و هذا هو معنى كون دليل وجوب الاحتياط وارداً على دليل البراءة [١].
[١] اعلم أن السيد الشهيد قد اكتفى هنا بذكر هذين الاحتمالين في بيان المراد من قوله: (ما يتقون) من دون أن يذكر ما يرجح أحدهما على الآخر، و لكنه في تقريرات بحثه قد ذكر أن هناك قرينة تؤيد و تعين الاحتمال الأول، و هو كون المراد بما يتقى به هو ما يتقى به بالعنوان الأولي خاصة، أي: ببيان الأحكام الواقعية، وعليه، تكون الآية نافية لوجوب الاحتياط و معارضة لدليله. و يرى أن القرينة على ذلك هو أن مناط الإضلال و الضلالة هو مخالفة الأحكام الواقعية لا مجرد مخالفة الأحكام الظاهرية. وعليه، تكون الآية تامة الدلالة على البراءة الشرعية، و نافعة لمعارضة دليل الأخباري على وجوب الاحتياط على تقدير تماميته. راجع بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ٣٥.