البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢٠ - المقام الأول كيفية الاستدلال بالآية على البراءة الشرعية
و لا من المناسب له أن يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتّقون به، و يكون سبباً لهدايتهم، و ليس مجرد إخبار عن الماضي، و أن الله سبحانه و تعالى لم يكن قد عذب و أضل الأمم السابقة إلا بعد أن أقام الحجة عليهم، و بيَن لهم ما يتقون به.
و الوجه في توقف الاستدلال بالآية الكريمة على البراءة الشرعية على إثبات هذا الأمر، هو أنه لو كانت الآية في مقام الإخبار عن الماضي، و إلى نفي العذاب عن الأمم السابقة، لما تمكنّا من إثبات البراءة الشرعية التي هي عبارة عن التعذير و نفي استحقاق العقاب الأخروي.
ثانياً: أن يكون المراد بالإضلال الوارد في الآية في قوله تعالى: (ليضلّ قوماً)، إما بمعنى: تسجيلهم ضالين و منحرفين، أو بمعنى: خذلانهم و سلب التوفيق منهم، لا أن يكون المراد به العذاب و العقاب؛ لأن المراد بالإضلال يحتمل أن يكون أحد أمور ثلاثة:
أ- العذاب و العقاب، فيكون معنى الآية بناءً على ذلك: «و ما كان الله ليعذب أو يعاقب قوماً إلا بعد إتمام الحجة عليهم».
ب- تسجيلهم ضالين و منحرفين و عدّهم من أولئك، فيكون معنى الآية: «و ما كان الله ليسجلهم ضالين و منحرفين إلا بعد أن يقيم الحجة عليه و يبيّن لهم ما يتقون به».
ج-- خذلانهم و سلب التوفيق منهم، فيؤدي ذلك إلى ضلالهم، فيكون معنى الآية: «و ما كان الله ليخذلهم أو يسلب التوفيق منهم و بالتالي يكونوا من الضالين إلا بعد أن يبيّن لهم ما يتّقون به».
و الوجه في ذلك هو أنه لو كانت الآية ظاهرة في كون المراد بالإضلال هو العذاب و العقاب، لكان من الممكن القول بأنها ناظرة إلى نفي العذاب الدنيوي دون العذاب الأخروي الذي هو محل الاستدلال كما تقدم في آية نفي العذاب.
ثالثاً: أن يكون المراد بالبيان الذي جعل غاية للإضلال في قوله تعالى: (حتى يبيّن لهم) (الوصول) لا مجرد (الصدور)؛ إذ يحتمل أن يراد به أحد أمرين: