البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٨ - تحقيق الحال في هذا الاستدلال
يعني: كونها مما أوحاها الله سبحانه و تعالى إلى نبيه الكريم، فعلى كل تقدير لا بد من القول بأن عدم وجدان النبي يساوق عدم الصدور.
فالبراءة و الترخيص المستفاد من الآية إنما يكون منوطاً بعدم الصدور و لا يثبت البراءة في موارد الشك في التكليف الناشئ من عدم الوصول؛ لأن عدم الوصول إلينا لا يساوق عدم الصدور؛ إذ لعلّه قد صدر و لم يصل إلينا لأجل اختفائه عنا نتيجةً لعوامل و أسباب معروفة كتعمد الظالمين ذلك، و مع عدم إحراز عدم الصدور لا تثبت البراءة؛ لأن موضوعها بحسب الفرض هو عدم الصدور، و لا نستطيع أن نحرز ذلك بمجرد عدم الوصول، و ما لم يحرز موضوع البراءة لا يمكن إجراؤها.
هذا بالإضافة إلى أن الكلام أساساً ليس في إثبات الإباحة الواقعية للأشياء، و إنما في بيان وظيفة المكلّف عند عدم عثوره على دليل يثبت أو ينفي الحكم الواقعي للشيء. و بعبارة أخرى: بيان وظيفة المكلّف عند الشك في الأحكام الواقعية للأشياء.
و ثالثاً: إن إطلاق العنان الثابت بالآية لأجل عدم الوجدان يحتمل فيه أمران:
الأول: أن يكون إطلاق العنان مستنداً إلى أصل عملي، و إلى جعل حكم ظاهري مفاده الإباحة الظاهرية، و هو معنى البراءة.
الثاني: أن يكون إطلاق العنان بلحاظ عمومات الحل، كقوله تعالى: أحل لكم ما في الأرض جميعاً التي تفيد حلية كل ما في الأرض، و هذا العموم حجة، و لا يرفع اليد عنه إلا بمخصص يصل إلينا يخرج بعض الموارد عن هذا العموم؛ إذ يحتمل أن يكون النبي (ص) قد استدل على الإباحة و نفي الحرمة بتلك العمومات و الأدلة النافية للحرمة، و المثبتة بعمومها للإباحة.
و بعبارة أخرى: إن عدم وجدان النبي (ص) لما يدل على الحرمة، تارة يكون بمعنى: عدم عثوره على دليل يثبت الحرمة أو ينفيها، فيكون إطلاق العنان و إثبات الإباحة و نفي الحرمة عبارة عن: تأسيس أصل عملي و حكم ظاهري ينفي الحرمة عند الشك فيها،