البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٦ - تحقيق الحال في هذا الاستدلال
لا يجب الاجتناب عنه، و ليس في ارتكابه أية تبعة أو عقوبة، و هذا يعني: إن عدم الوجدان يكفي لإثبات إطلاق العنان و السعة و عدم وجوب الاجتناب، فيكون مفاد الآية هو الترخيص في اقتحام و ارتكاب ما لا دليل على حرمته و لزوم اجتنابه، و هو معنى البراءة.
و لا يخفى أن البراءة المستفادة من الآية على تقدير دلالتها على ذلك إنما تكون مخصوصة بموارد الشبهات التحريمية دون الشبهات الوجوبية؛ لأن مورد الآية هو تحريم اليهود لبعض مما رزقهم الله تعالى، فيدل عدم الوجدان على نفيها.
تحقيق الحال في هذا الاستدلال:
قوله (قدس) ص ٤٠: «و يرد عليه: أولًا: إن عدم وجدان النبي ... إلخ».
و لكن الصحيح عدم دلالة الآية على البراءة الشرعية، بل هي أجنبية عما نحن بصدده لعدة أمور:
أولًا: إن هناك فرقاً بين عدم وجداننا للدليل الدال على الحرمة و بين عدم وجدان النبي لمثل ذلك الدليل، حيث أن الأول لا يلازم عدم الوجود و الصدور؛ إذ مجرد عدم وصول التكليف و عدم عثورنا على دليل يثبته أو ينفيه لا يدل على عدم صدور ذلك الدليل، أو عدم وجود تكليف أساساً، فعدم الوصول لا يدل على عدم وجود التكليف واقعاً. و أما بالنسبة إلى عدم وجدان النبي (ص) و عدم وصول ما يدل على التكليف إليه، فإنه يساوق و يلازم عدم وجود التكليف واقعاً، فعدم وجدان النبي (ص) لما يدل على الحرمة، يكون دليلًا قاطعاً و علمياً على عدم الحرمة واقعاً، و كون الشيء مباحاً واقعاً.
و وجه الملازمة: هو أن الله تعالى إنما يكلّف عباده رحمة و رأفةً و لطفاً بهم؛ لأنه يبيّن لهم بتكاليفه- سواء كانت أوامر أو نواهي- الطرق و السبل التي توصلهم إلى الغاية القصوى، فعند ما يأمرهم بأمر فلأجل مصلحة تعود إليهم بامتثاله، و كذلك
عند ما يحرم عليهم شيئاً ما فلأجل أن في ارتكابه مفسدة و ضرراً يعود عليهم. فغرض المولى من