محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٠ - الخطبة الثانية
الحمد لله الذي يستوي كل غني وفقير عند غناه، وكلُّ عزيز وذليل أمام عزّه، وكل قوي وضعيف قياساً إلى قدرته. وكل واجد بمنعه فاقد، وكلّ فاقد برفده واجد.
وما امتلأ كف أحد إلا بعطائه، وما خوى إلا بقدره، وما علت سوافل إلا بفضله، وما سفلت عوالٍ إلا بعدله ومشيئته وحكمته، ولا خير في سماء ولا أرض إلا بفيضه ورحمته، وهو مصدر الإحسان كلِّه.
أحمده حمداً لا يقبل إحصاءاً من مخلوق ولا عدّاً، ولا أمد له ولا انتهاء حمداً لا يعلمه إلا هو، ويُنال منه به الرضى.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم وزادهم تحية وبركة وسلاماً.
عباد الله علينا بتقوى الله، والالتفات إلى عواقب الأمور، ولأكبر عاقبة حقَّ على العاقل أن يولي اهتمامه لها هي عاقبة الحياة، فهي أم العواقب؛ فإن كانت رابحة أنست كل الخسائر، وهوّنت كل الآلام وعوّضت عنها، وإن كانت خاسرة صغّرت كل الأرباح التي أنهت إليها، وحوّلتها فجائع، وصارت لذائذ الحياة بها مكاره ونوازل.
وليس من أحد من مطيع لله ولا عاصٍ إلا وهو موافٍ عاقبته، وما جنته يداه من خير أو شرّ عاقبةً حلوة تسرّ، أو عاقبةً مرّة تسيء، وقد جاء عن الإمام علي عليه السلام:" لكل امرئ عاقبة حلوة أو مرّة" ١٥، كأسٌ لابد أن يذوقه الإنسان، بل وقد يقيم عليه، كأس الحلاوة في الآخرة، أو كأس المرارة، فليجدّ الجادّون لعاقبة خير لا ينفد، وليفرّ الفارون من عاقبة أهوال تمتد.