محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٩ - الخطبة الثانية
فلو ضاق الدين موضوعات ضاق، وإذا اتسع اتسع. ما اتسع الدين في موضوعاته يتسع المسجد في موضوعاته، وما ضاق الدين في موضوعاته ضاق المسجد في موضوعاته. ولما كان الإسلام دين فرد ودولة، وآخرة ودنيا لا يختلف مذهب عن مذهب من مذاهب الإسلام في هذا كان الخطاب الإسلامي خطاب إصلاح لأمر الناس فردهم ومجتمعهم، في دينهم ودنياهم معاً.
المسجد كما هو الإسلام تماماً لا يقبل الأقفاص الفكرية، ولا يقبل التحديدات من أهل الأرض، إنما إطاره بيد ربّ الإسلام وربّ المسجد ٦.
ومن أراد أن يحاكم الخطاب الديني ومصدره لكلامه بلغة الإصلاح في السياسة، ومعالجته لبعض شؤونها، ومقاربته لموضوع الحياة والساحة العامة فعليه أن يحاكم الدين القاضي بذلك نفسَه وقبل أن يحاكم المسجد وخطيبه، وأن يحاكم الشعب الذي اختار ذلك الدّين، وكلّ وثيقة رسمية كميثاق أو دستور جعله مصدرا رئيسا للتشريع كما هو الحال مع الإسلام وهذا الشعب، وكما هو الحال مع هذا البلد والميثاق والدستور اللذين تتحدث باسمهما الحكومة.
عندك دستور يقول بأن الإسلام مصدر رئيس للتشريع، عندك ميثاق قبل ذلك تقول فيه وقد وقّعت عليه بأن الإسلام مصدر رئيس في التشريع، فكيف ينسجم هذا مع التحديدات الوضعية لوظيفة المسجد وإمام المسجد؟!
ويفقد الخطاب الديني صفة كونه دينيّاً وانتماءه الديني حين يكون تحديد ضوابطه وموضوعاته، وما يجوز وما لا يجوز له، والمخاطِب به بيد السياسة.
فهناك تهافت واضح بين أن تقول عن الخطاب بأنه ديني، وتصفه بهذا الوصف وأنت تخضِعه لمقررات السياسة ومصالحها ومقتضياتها وتقلّباتها وأهدافها، إلا أن تكون تلك السياسة