محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢١ - الخطبة الأولى
الحسنة اللاحقة تلاحق الذنب القديم ملاحقة حتى تقضي عليه وتمحوه، فأنت لو كنت تركض لتدرك من سرق منك شيئا، أو اغتصب منك شيئا، فكيف ستركض؟ بقدر ما تستطيع، الحسنة تداركها للسيئة، وقضاؤها عليها أسرع منك في تلك الحال، فخير ما تعالج به السيئات وآثارها هي الحسنات اللاحقات، فهي تخلص الذات مما علق بها من قبائح، وتؤمّنها بعد رحمة الله من عذاب شديد.
وحديث آخر:" من عمل سيئة في السر فليعمل حسنة في السر، ومن عمل سيئة في العلانية فليعمل حسنة في العلانية" ٧.
أحاول أن أتبع السيئة التي حدثت لي في السر بحسنة في السر، ومن عمل سيئة في العلانية فليعمل حسنة في العلانية، لماذا؟ السيئة في السر لها دلالة نفسية، ووراءها خلل في الشعور، ذلك أنّ النفس تعظّم المخلوق أكثر من تعظيمها للخالق، فتجبن عن السيئة أمام المخلوق، ولكنها لا تجبن ولا تستحي من الخالق، لها حياء من المخلوقين يمنعها من القبيح، وليس لها حياء من الله يمنعها من ذلك، وهذا خلل عظيم في الشعور، ماذا يعالجه؟ يعالجه توقير الله ومهابته بأن يأتي الإنسان بالحسنة بينه وبين الله لا يعلمها غيره لتكون خالصة لوجهه الكريم، ففي هذا تصحيح للشعور الذي دخله الخلل.
والسيئة في العلن تكشف عن فقد للحياء، وتهتّك شديد، فلا حياء لهذه النفس لا من خالق ولا من مخلوق. وفي السيئة في العلن نشر أكبر للرذيلة، وهي سبب لتجرّأ الكثيرين على الله تبارك وتعالى، وهتك حرمات دينه، فماذا يعالج ذلك؟ على صاحب السيئة العلن أن يأتي بالحسنة علناً فلربما استرجع النفوس التي أفسدها إلى طريق الصواب.