محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٣٢ - الخطبة الأولى
" غالبوا أنفسكم على ترك العادات وجاهدوا أهواءكم تملكوها" ٤.
العبادة قد تأتي انسياقاً وراء العادة بلا حضور ذهن، ولا توجّه نفس، ولا حيوية روح، وهذه ليست أفضل العبادة وإنما هي عبادة من أخس مستويات العبادات، فكيف تقول الكلمة عن علي عليه السلام وهو الصادق" أفضل العبادة غلبة العادة"؟!
العادة قد تصل بالعبادة إلى حدّ الملكة، فلا تجد النفس في ممارستها العباديّة شيئاً من النفرة، وشيئاً من الاستثقال، إنما تأتيها مقبلة، مستأنسة، وحين تُؤتى العبادة في إقبال واستئناس مع حضور روح، وتوجّه صادق إلى الله عز وجل، ووعي بقيمة العبادة، ووعي بعظمة المعبود تكون أفضل العبادة.
فبما تخلقه العادة من جوّ تسهيلي للحضُور الروحيّ في العبادة، وصدق التوجّه، وعدم مقاومة النفس للطاعة والاشتغال بمقاومتها تكون العبادة أفضل العبادة عن طريق العادة أفضل عبادة.
" بغلبة العادات الوصول إلى شرف المقامات"
" غالبوا أنفسكم على ترك العادات وجاهدوا أهواءكم تملكوها" الهوى والعادة يتناصران في مواجهة النفس على حرفها عن الخط الإلهي القويم، ويصبح أمر مقاومة النفس للهوى والعادة أمراً صعباً، ويحتاج الإنسان إلى أضعاف ما كان عليه أن يبذله من جهد قبل تكوّن العادة في مواجهة وسوسة الشيطان والنفس، لكن لا يصل الأمر إلى أن تحكم العادة أحدنا إلى درجة أن يستحيل عليه تغييرها. صحيح أن الجهد يحتاج إلى مضاعفة، لكن يبقى الانتصار على العادة ليس مستحيلًا على الإرادة المؤمنة حين تستيقظ، وحين تحيا وتنشط.
ولابد من مراجعة النفس حيناً بعد حين لنجد ما تغلغل فيها من عادات سيّئة، وما احتلّ مكانا فيها من هذه العادات بحيث يعطّل سيرها إلى الله تبارك وتعالى لندخل مع كلّ عادة وجدت في داخلنا درجة من الترسّب في مواجهة حادّة لنقتلعها من الجذور.