محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٥ - الخطبة الأولى
ما نعرفه عن سيرة الأئمة عليهم السلام والأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أنّ التلبّد يعني استبدال أسلوب إلى أسلوب آخر، وأنّه بدل أسلوب المواجهة من غير استعداد لابد أن يبني الناس أنفسهم وأوضاعهم حتّى يستطيعوا أن يدخلوا المواجهة بصورة متكافئة أو قريبة من المتكافئة.
أما الجمود واللجأ إلى هامش الحياة، وإلى منطقة خارج الحياة ليشهد الشخص أو لتشهد الجماعة على نفسها بالموت فهذا مرفوض من فهم الدّين القويم.
الرسول صلى الله عليه وآله كانت له مرحلتان في الدعوة: مرحلة السرّ، وعدم المواجهة، وبناء الجماعة، والعمل على رفع مستواها، ثمّ مرحلة الدعوة الجهرية وتحمّل أعباء المواجهة، فالمسلمون غير مطالبين- اللحظة مثلًا- أن يدخلوا حرباً عالمية مع الكفر، لكنهم مطالبون وبصورة حتمية أن يبنوا أنفسهم، أن يطلبوا أسباب القوة، أن يعملوا على توفير كل الاستعدادات التي تفتح لهم إمكان باب المواجهة الاختيارية مع الكفر العالمي لا ليظلِموا، وإنما ليقام العدل مقام الظلم في الأرض، ويقود العلم والهدى حركة الإنسان بدل أن يقودها الجهل والضلال.
ويأتي هذا الحديث عن علي عليه السلام:" ساعة ذلّ لاتفي بعزّ الدّهر" ٤.
يقول أحدنا: إني أقبل حالة الذلّ والهوان والانسحاق لساعة، أو ليوم، ولكنّي من خلال هذه الساعة سأغنى. في الفقر ذلّ، وأمامي طريق مفتوح للتخلّص من الفقر بأن أُقبّل الآناف، بأن أقول الكلمة المتملّقة الكاذبة، بأن أنسحق ساعة واحدة أمام كبرياء الآخر من أجل أن أخرج من ذلّ الفقر ولكنّ عليّاً عليه السلام يقول على نحو القلب في التعبير:" ساعة ذلٍّ لا تفي بعزّ الدّهر" والمعنى أن عزّ الدّهر لا يُساوي ذلّ ساعة، فلا تقل بأنّي أشتري عزّ الدّهر، وأتسلّق إلى الموقع الكبير، إلى المال العريض من خلال ساعة ذلّ واحدة.