محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٨٤ - الخطبة الأولى
الذي يفرضه الإيمان والرحمة بين المؤمنين يتعامل معه وكأنّه الذليل بين يديه تواضعاً لا ضِعة، في الوقت الذي تملأ نفسه عزّة الإيمان، وكرامة الإيمان، ولا تدخله روح الانسحاق أمام أي مخلوق من المخلوقات بما هو ذلك العبد، أو ذلك الشيء الممكن الذي لا يملك نفعاً ولا ضرّاً لنفسه فضلًا عن غيره.
" أيها النّاس إنّ المنيّة قبل الدّنيّة والتجلّد قبل التّلبّد ٢" ٣.
الحديث يطرح أن المنيّة قبل الدّنيّة؛ فحين يكون الخيار إمّا عيش ذلّ وهوان وانحطاط، وإما أن يقبل الإنسان المؤمن الموت، فالموت مقدّم في خيار المؤمن على عيش الذلّة والمسكنة بما هو ذلٌّ ومسكنة، وهذا لا ينفي الأحكام الشرعيّة التي تتصل بموضوع الشهادة، وبموضوع الإقدام على الموت وضوابطهما.
ولكنّه من الواضح جدّاً أن الأمّة حينما يكون خيارها إمّا أن تقبل بالذلّة والهوان والانحطاط وأن تُعامل معاملة العبيد، وإمّا أن تُضحّي من أجل حريتها وكرامتها وعزتها، فهنا المطلوب من المؤمنين أن يعملوا على استرداد الكرامة والعزّة من دون أن يستسلموا لمسألة الذل والهوان. وأرجع لأقول بأن هذا يخضع لميزان الشرع الدقيق، ولا يرجع إلى اجتهادات الأفراد العاديين.
" والتجلُّد قبل التلبّد" الأصل في المسلم والمؤمن والجماعة المسلمة والمؤمنة هو الحركة التغييرية الناشطة التي تعمل على إعادة الحقّ إلى نصابه، وتصحيح أمور الدنيا والدين، ووضع كل الأوضاع على الطريق السالك لله سبحانه وتعالى وهو طريق العدل والكرامة، لكن قد تأتي ظروف قاهرة، والسؤال هل للظروف القاهرة أن تُعطي للمؤمن اختيار حالة جمود تامّة؟ وهل التلبّد الذي قد يأتي في بعض الظروف يعني التوقّف التامّ عن حركة البناء؟