محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٦٦ - الخطبة الأولى
والاستقامة الخارجية تحتاج إلى جهد وجهاد مرير، لكنّ أي جهاد ليس بثقل جهاد النفس على طريق أن تكون حركة المرء وسكونه غير منظور فيها إلا وجه الله الكريم.
وليس لأي عمل وإن جلّ قدره في الخارج من قيمة في صنع الإنسان، والقرب به من الله إلا بما يتحقق له من إخلاص له سبحانه في نفس العبد وعمله.
والعظيم في الأمر أننا مأمورون ومكلّفون بأن نُخلص العمل لله وحده بما نطيق إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٢.
والإخلاص المدلول عليه في الآية الكريمة بأسلوب القصر متعلّقه أمران: أمر العبادة، وأمر الاستعانة، فلا عبادة في المظهر الخارجي، وفي واقع النفس إلا لله وحده، ولا استعانة بشيء بما هو في ذاته مستقلًا أو على نحو الشركة مع الله عزّ وجل.
وإنما الاستعانة بالله وحده، أما الاستعانة بالأسباب فإنما هي استعانة في الحق بمسبب الأسباب، والمفيض الدائم عليها وجودَها وسببَّيتَها، إذ لا شيء من ذلك يمكن بغير مدد الله وإرادته أن تكون له فاعلية من ذاته أو من غيره بحيث لا تنتهي إلى الخالق العظيم.
والذات المخلصة لربها في حركتها وسكونها، وعلماً وعملا، وحبّاً وبغضاً، وأخذاً وتركاً، وكلاماً وصمتاً، وفعلًا وقولًا، وعطاءً ومنعاً، وصداقة، وعداوة هي الذات التي يستهدف الدين صنعها بكل ما هو من الدين وفيه، وهي الهدف الأسمى للرسالات الإلهية ومنهجها الكريم، وتكاليفها، وتعاليمها، ووصاياها، وأخلاقيتها جملةً وتفصيلًا.
وفي هذا يأتي ما عن علي عليه السلام:" الإخلاص غاية الدين" ٣، وقوله الآخر المنقول عنه عليه السلام:" طُوبى لِمَنْ أخْلَصَ لِلّهِ عِلْمَهُ، وَ عَمَلَهُ، وَ حُبَّهُ، وَ بُغْضَهُ، وَ أخْذَهُ، وَتَرْكَهُ وَ كَلامَهُ، وَ صَمْتَهُ" ٤.
الذات التي لا تلفتها قضية ولا اهتمام، ولا ظرف من ظروف الرخاء والشدة، والخوف والأمن عن ذكر الله، والتعلق به، والانصراف إليه، ....، ولا يعطّل حبها ورجاءها، وخوفها