محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٧١ - الخطبة الثانية
أما بعد أيها الإخوة والأخوات الأعزاء فإلى هذه الكلمة:
العدل والظلم:
من العدل إيفاء كل ذي حقٍّ حقّه، والمعرفة لكل ذي مقام مقامه، ولكل ذي قدر قدره، ومن العدل المساواة حيث تتساوى الموضوعات والقضايا والأشخاص، ومن العدل الأخذ بالفرق الذي تقتضيه حيث تتفاوت.
وإنقاص الحق ظلم، وحطّ الأقدار ظلم، والتفريق في موضع المساواة ظلم، وبعضُ المساواة ظلم، والتقديم والتأخير على خلاف مقتضياتِهما الذاتية ظلم، ومن أبشع الظلم.
ولا يدوم حكم بظلم، وما بقي دمَّر وأفسد، ولا يهدم عدل حكما، وما بقي العدل عمّر وأصلح، وما قامت السماوات والأرض، وما بقيتا كذلك إلا بالعدل، ولو دخلهما الظلم وحاشا لما كانت أرض ولا سماء ولا شيء.
ولا يتدارك أمر الأمم والأوطان كالإقلاع عن الظلم، والرجوع إلى العدل.
فحتّى لا يخسر هذا الوطن أكثر مما خسر، ولا يتبعثر أكثر مما تبعثر، ولا يأتي عليه الطوفان لابد من عودة إلى دين وعقل وعدل؛ والثلاثة من أصل واحد، وجذر متّحد، وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
والأخذ بالظلم، والبقاء عليه مكابرةٌ لقانون من قوانين الله، وسنة من سننه التي يقوم عليها الاجتماع الصالح، ومع طول هذه المكابرة يحدث زلزال اجتماعي مدمٍّر يفزع لهوله الصغير والكبير، وتسقط رواسٍ، وتندكّ جبال مما بنته الحضارات، وبذلت فيه المجتمعات أعمارها الطويلة، وتُنسف أوضاع، وتبدّل وجوه، وتنخفض مرتفعات، وترتفع منخفضات.