محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٣ - الخطبة الأولى
بالدرجة الكافية من خلال عبادة لا يدرك صاحبها منها معنى إلا المعنى الإجمالي فحسب. وربما وُجد عابد لا يعبد الله سبحانه وتعالى وهو يشتغل بالركوع ليل نهار، واضعاً أمامه صورة صغيرة لإله مختلق يسجد لها ويركع. هذا يحصل إذا لم يكن علم، ولم تكن معرفة.
" تفكّر ساعة خير من عبادة سنة" ٩.
لأن التفكّر السليم في الموضوعات الدينية المطلوبة يأخذ بالإنسان إلى اليقين، ويريه من عظمة الله عزّ وجلّ ما يهذّب نفسه، ويجعلها محلّ إشعاع وعطاء خلقيٍّ ثرٍّ كريم.
" من وصايا أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام:" يا بني إنّي وإن لم أكن قد عُمّرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمارهم، وفكّرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم حتّى عُدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إليّ من أمورهم قد عُمّرت مع أولهم إلى آخرهم ..." ١٠.
العمر قصير، ويقول علي عليه السلام العمر القصير حين يقف صاحبه عند حدوده، وعند حدود تجربته وخبرته فالخبرة تكون قليلة، والتجربة تكون صغيرة، إنّه يقف على تلّة صغيرة يرى مساحة من حوله لا تمتدّ إلى كثير، وكلّما وقف الفكر على قمّة عالية، وامتدّ بصره إلى بعيد كلّما كان كسبه وخبرته وتجربته وفهمه ووعيه أكبر، وعليّ عليه السلام من أكبر الكبار فهو يوصي الإمام الحسين عليه السلام بأن لا تقف نظرته عند حدود تجربة حياته. فقد نظرتُ في أعمار من قبلي: في ملابسات حياتهم، في تجارب حياتهم، في نتاج حياتهم، وفكّرت في أخبارهم وسرتُ السير الفكريّ في آثارهم، فلم يكن عليٌّ عليه السلام رحّالة من بلد إلى بلد، ولكنّ سيره في الآثار كان في الأكثر سيراً فكريا.