محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٥٩ - الخطبة الأولى
إنّ الإنسان ليبدأ وليداً لا تعلّق له إلّا بأمِّه وبحنانها وعطفها وشفقتها وما كتب الله له عندها من غذاء اللبن، وإنّه لينشدُّ إليها ولا يريد أن يفارقها لأنّها محطّ أمله، ومنتهى رجائه، وعندها ما تحتاجه حياته، ويرى فيها حماه ولجأه. ولذلك يكون كل انشداده إليها لا لأحد سواها. فمن أمّلته ارتبطت به، وانصعت له.
ويستمرّ هذا الانشداد من الوليد حتى تسمح له ظروفه بشيء من الاستقلال عن أمّه فيخِفّ الارتباط.
ثمّ يرى في أبيه محضناً آخر، ومصدر عطاء وحماية، وتتعلقُ به آماله فيقوى به انشداده حتّى يقوم على قدم في بعض أموره فيخِّفّ الارتباط.
وكلّما رأى هذا الإنسان وفي أي مرحلة من مراحل عمره أن فردا او جهة تملك القوة والغنى وروح العطاء الذي يحتاجه، ولا حياة له إلا به كلّما اتّجهت لها آماله، واستمسك بها رجاؤه، فكان إليها سعيه، وبها تعلّقه، وطلب رضاها، وحَرَصَ على التقرّب إليها.
وكثير من النّاس تنتقل بهم الآمال من محطة إلى محطة، والولاء من جهة إلى جهة تبعاً للرؤية المتجدِّدة بالنسبة لمصدر القوّة والغنى والمدد والعطاء لأن قلوبهم لم تقع من الأول على الحق المطلق الغني القوي المتين.
والأكثر من النّاس يبقون أطفالًا فكراً أو شعوراً، مُنحبساً نظرهم في دائرة الأسباب، ويعطونها ما ليس إلا لمسبّب الأسباب وحده، ومتقوقعاً في إطار المحدود ينسبون له ما ليس إلا للمطلق الحق وهو الله وحده.