محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤١ - الخطبة الأولى
بعد وقد فرضت في بداية الكلام في المناجاة أن صاحبها غيرُ المعصوم عليه السلام. اختار المناجي أن يسند حال السوء عنده إلى التباعد فقال" وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي" وهو تعبير ربما كان أقرب إلى تحمّل المسؤولية من حيث إسناد التجليل إلى التباعد بما هو فعل اختياري، ليأتي التصريح بعد ذلك بتحمل المسؤولية كاملة، وتسجيل الاعتراف الذي لا غبار عليه بالتقصير عندما جاء التعبير واضحاً جداً" وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي" في إسناد الداعي الجناية إلى نفسه.
وتضيف المناجاة:
" وَجَلَّلَنِي التَّباعُدُ مِنْكَ لِباسَ مَسْكَنَتِي" يتباعد العبد بأفكاره ومشاعره وهدفه وقوله وفعله بخطاياه عن المصدر الوحيد الذي لا مصدر غيره لوجوده وحياته وخيره ونفعه، فإن لم يمت قلبه تماماً عند ذلك، ولم يدخل شعوره في غيبوبة كاملة شعر بالفقر المتقع والمسكنة المؤلمة المذهلة حيث لا مُطَمْئِنَ له بالغنى من الاعتماد على نفسه، ولا من الاعتماد على أحد غير ربّه، فكل غير الله يموت، وكل شيء غير الله إلى أفول، وكلّ الكائنات لا مخرج لها من مسكنتها الذاتية، وفقر الإمكان إلا أن تنالها من الله رحمة، ويكون لها من لطفه وعطائه رَفْدٌ وإمداد.
وتباعد العبد عن ربّه هو تناقص في قَدْرِه، وهبوط في منزلته، وخسارة من وزنه، وانحدار في ذاته بفعل الخطايا والسيئات التي تُفقده هداه، وتسلبه صفاء روحه، وتأتي على إرادة الخير فيه، حتى لا تُبقي منه جمالَ معرفة، ولا جمالَ خُلق، ولا طهراً ولا نزاهة، ولا قصداً راقياً، ولا هدفاً كريماً، ولا نفساً مستقرّة.